header
فضيلة الشيخ عبد الحميد في خطبة الجمعة:

الشعب يطالب بإيقاف الإعدامات

أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان، في خطبة الجمعة (13 شعبان 1445)، إلى أنّ “تزايد عمليات الإعدام في البلاد قد صدم الشعب الإيراني والعالم”، واصفا الإعدامات الرائجة في البلاد بأنها غير مشروعة ومخالفة لسيرة النّبي والخلفاء الراشدين، كما شدد فضيلته على ضرورة إيقاف هذه الإعدامات.


لم تكن إعدامات عهد الرسول تصل حتى إلى عدد أصابع اليد
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: للأسف كثرت عمليات الإعدام في البلاد، ويعدم الأشخاص بتهم مختلفة، منها تهم المخدرات والتهم السياسية، ولم تقلق هذه الإعدامات الشعب الإيراني فحسب، بل هزّت جميع شعوب العالم، لأنها لا تبقى سرّا وتنتشر أخبارها في العالم، وهذا يسبب دعاية ضد بلدنا، ولا نريد أن يتم ترويج أي شيء ضد بلدنا مما يسبب تشويه صورة الدين والشعب والوطن. تحدثت كثيراً عن عمليات الإعدام في السابق، وكلماتي اليوم عن الإعدام، علمية أكثر من أن تكون سياسية.
وأضاف فضيلته: بالنسبة للإعدامات التي تجري في البلاد، تستدل بآية «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ»، بحيث يستدل القضاة من هذه الآية، ويصدرون أحكام الإعدام بعد توجيه تهمة المحاربة والإفساد في الأرض.
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى تفسير هذه الآية، وتابع قائلا: من أصول تفسير القرآن الكريم والفهم الصحيح للآيات، الرجوع إلى سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لأنه أعظم شخصية، وبيانه للقرآن حجة، ومن أهم واجباته أيضًا التلاوة وتفسير آيات القرآن، كما قال الله تعالى: “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”، ولذلك يجب علينا أن ندرس سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
وتابع قائلا: عندما نتأمّل في سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم خلال السنوات التي حكم فيها بشكل مثالي، سنرى أنّ كل الاعدامات التي وقعت خلال هذه الفترة قد لا تصل حتى إلى أصابع اليد الواحدة، ومعظمها كان قصاصا، وهذا هو مقصد الآية المذكورة أيضا، فمن ارتكب القتل يقتل، ومن لم يرتكب القتل لا ينبغي أن يقتل.
وأضاف خطيب أهل السنة قائلا: “المحاربة” و”الإفساد” من الكلمات التي إذا حملتا على معانيهما العامّة، يلتبس على الكثير من الناس معناهما، فالكذب والتهمة أيضا من الفساد، لكن لا أحد يعدم بسبب هذه المعاصي، بل الذي يسرق أيضا لا يقتل، وللسارق عقوبة أخرى في الشريعة.


على القاضي أن يحاول دفع الحد قدر الإمكان
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: من الأصول المسلّمة عند العلماء والفقهاء ومفكري العالم الإسلامي منذ القديم، أنهم حاولوا دائماً دفع أمرين: أحدهما “الحدود” والآخر “القصاص”، فالشخص الذي كان يسرق أو يزني ويأتي لإقامة الحد الإسلامي، حاولوا رده قدر الإمكان حتى لا يقام عليه الحد، كما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا، فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ورده مرارا، وقد ورد في أصول الفقه أنه إذا أتى شخص إلى القاضي واعترف بالزنا، فإن القاضي لا يقبله إلا إذا جاء واعترف أربع مرّات، ولذلك ينبغي للقاضي أن يرفض تنفيذ الحد قدر الإمكان.
وأضاف: الحالة الثانية التي يجب على القاضي أن يحاول ردها هي “القصاص”، لأن قتل الإنسان خطيئة كبيرة جداً، وإجبار شخص على الاعتراف عن طريق التعذيب أمر غير مقبول شرعا، ودستور البلاد لا يؤيد أيضا إجبار شخص على الاعتراف بالقتل عن طريق التعذيب، فمثل هذا القتل معصية عظيمة للغاية.


أكبر دليل عندنا هو عمل النبي والخلفاء الراشدين
وتابع خطيب أهل السنة قائلا: كان المنافقون في صف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ينقلون كافة المعلومات إلى الأعداء، لكن الرسول الكريم لم يقتل أيّا منهم ولم يقل لهم شيئا، وترك أمرهم لله تعالى، وعندما عرض عليه قتلهم، رفض وقال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وهكذا الخلفاء الراشدون لم يعدموا أحداً.
وأضاف فضيلته متسائلا: كم عدد الأشخاص الذين أعدموا في خلافة علي ابن أبي طالب الذي يتفق على مكانته جميع المسلمين؟ رغم أن في خلافته ظهرت فتن ومشكلات، وإن أعداء الدين أثاروا حرب جمل وصفين، وإن عليا قاتل الخوارج في حرب نهروان، إلا أنه لم يكفرهم، ولم يكفر المسلمون بعضهم بعضا، بل لم يسجن أسرى الطرف الآخر، ولم يقتل أحدا منهم.
وتابع فضيلته مشيرا إلى معنى الآية المذكورة: معنى هذه الآية هو أن “المحاربة” و”الإفساد في الأرض” عندما يصاحبهما “القتل” تكون عقوبتها الموت، وإذا سرق قاطع الطريق مالاً ولم يقتل، فلا يجوز قتله؛ لأنه لم يقتل، ومن كان معه سلاح ولم يقتل أحداً فلا يجوز قتله، ولو قامت جماعة بثورة مسلّحة، فإن ارتكب أحد من هذه الجماعة جريمة قتل، جاز قتله، لكن لا يجوز قتل إنسان لمجرّد أنه عضو في جماعة مسلحة، لأن عليا رضي الله عنه لم يقتل أسرى معارك الجمل وصفين ونهروان، والطرف الآخر لم يقتل الأسرى أيضًا. ليس لدينا أحد أعظم من هؤلاء الأكابر، وإنّ أعظم أدلتنا في هذا المجال هي سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وسيرة الخلفاء الراشدين وسيرة علي والحسن رضي الله عنهم جميعا.
وصرّح فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: تفيذ أحكام الإعدام بناء على آية سورة المائدة لا يتوافق مع تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل البيت وإجماع الأمة، واستنادا إلى الرؤية الاعتدالية للإسلام، فإن هذه الإعدامات غير صحيحة، فإن لعمليات الإعدام هذه تبعات مادية وأخروية على الحكومة والمسؤولين وكذلك على الشعب والعوائل، فكم من عائلة تفككت بسبب الإعدامات.
وأضاف قائلا: في سيستان وبلوشستان، حيث كانت معظم عمليات الإعدام فيها بسبب المخدّرات، فكم من الأطفال صاروا أيتاما و كم من النساء أصبحن أرامل، ثم لا تهتم الحكومة ولا الشعب بهذه الأسر، فيتخلف أطفال الكثير منهم عن التعليم، ولو كان آباء هؤلاء الأطفال أحياء لكانوا على الأقل يخططون لتعليم أبنائهم، لذلك بدلاً من الإعدام، كان من الأفضل النظر في عقوبات أخرى مثل الغرامات والسجن.


لم تؤد الإعدامات السياسية وإعدامات المخدرات إلى نتائج إيجابية
وأكّد خطيب أهل السنة في زاهدان قائلا: إن عمليات الإعدام حتى الآن لم تسفر عن أي نتائج ولم تتوقف تجارة المخدرات، والاعدامات مستمرة منذ نحو خمسة وأربعين عامًا، لكنها لم تكن مفيدة، لأن مكافحة شيء يجب أن يكون شاملاً وأن تؤخذ جميع أبعاده بعين الاعتبار؛ فإذا كان هناك منع من جانب، فيجب التخطيط الاقتصادي على الجانب الآخر، ويجب بذل الجهود في مجال خلق الفرص والمهن حتى يتمكن الشعب من توفير حاجاتهم ولا يقعوا في فخ تجارة المخدرات التي هي في الحقيقة آفة للبشرية ومن الظواهر القبيحة.
وأضاف قائلا: أنواع القتل السياسي الذي يتم تحت عناوين مثل “المحاربة” و”الفساد في الأرض”، لم يتمكن من صرف الشعب عن مطالبهم المشروعة. للشعب الإيراني مطالب مشروعة، فالشعب يريد أن تكون بلادهم على الطريق الصحيح حتى يتم حل مشكلات الجميع. يواجه الشعب اليوم الفقر والمشكلات الاقتصادية، وقد فقدت العملة قيمتها، وهذه العملة أيضا غير موجودة عند الكثير، يريد الناس حل المشكلات المادية والمعنوية للبلاد وأن تكون البلاد على مستوى عالٍ.
وتابع فضيلته قائلا: أهلنا في الأهواز، وأغلبهم من إخواننا العرب، يشكون كثيرًا من اعتقالهم بسبب عقيدتهم، بينما لا بد من الحرية في المعتقد حسب الدستور. هناك مجموعات عرقية مختلفة تعيش في إيران، تربطها أخوة وطنية وإسلامية، وأخوة إنسانية مع بعضها البعض؛ لدينا أخوة مع جميع البشر ونفكر في الإسلام والإنسانية، وإن عزة الإسلام وإيران والشعب الإيراني حيويّة ومهمّة للغاية بالنسبة لنا.
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: إن الشعب الإيراني وجميع المجموعات القوميّة لديهم أفكار متنوّرة للغاية، ولديهم أفكار مشتركة، وتضامن مع بعضهم البعض، ويفكرون في سلامة أراضي البلاد، ويطالب الشعب الإيراني جميعا وقف عمليات الإعدام. أوقفوا هذه الإعدامات، فإن إيقافها تكون في مصلحة الشعب والوطن.


الشعب الإيراني يريد “العدالة” و”الحرية”
وأضاف خطيب أهل السنة: الشعب الإيراني يريد العدل والإنصاف، ويريد أن يكون التركيز كله على البلاد، ولا ينبغي أن تذهب أموال إيران إلى الخارج، لأن الشعب في جوع ومشكلات، وهناك مثل مشهور يقول: “إن المصباح الذي يُحتاج إليه في البيت، حرام على المسجد”. ينبغي أن تنفق أموال الوطن على أهله، لأن الشعب الإيراني يريد أن يحظى بالاحترام في العالم.
واعتبر فضيلته “حرية الصحافة والإعلام” من المطالب الأخرى للشعب، وأضاف قائلا: الشعب الإيراني يريد حرية الصحافة والإعلام، وأنتم تحاربون الفضاء الافتراضي، وتريدون أن لا تكون لدى الشعب معلومات عن القضايا، بينما يرى الشعب أن هناك حرية في العالم ويرى الناس كل شيء.


أهالي المحافظة يعترضون على استخراج مناجم “تفتان”
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد في جزء آخر من كلمته إلى مخاوف أهالي سيستان وبلوشستان بشأن استخراج الذهب من جبل تفتان، قائلا: جبل “تفتان” يعرف بجَبهة سيستان وبلوشستان، ويتوافد عليه السيّاح المحليون والأجانب، ويعتبر جبل تفتان من أكبر مصادر المياه في المحافظة، حيث يزوّد مناطق واسعة بالمياه، كما أن سكان منطقة تفتان أناس طيبون للغاية، ويعمل معظمهم في الزراعة وتربية المواشي.
وأضاف فضيلته قائلا: أهالي تفتان الآن قلقون للغاية، ويشكون إلى سلطات المحافظة من أن الشركات الكبرى جاءت إلى هذه المناطق لاستخراج مناجم الذهب، وتعتزم العمل على نطاق واسع للغاية، ولا يُعرف أين تصرف هذه الشركات الأموال نظرا إلى المحسوبية والفساد الرائج في البلاد، ويعتقد الناس أن نشاط هذه المناجم يلوث البيئة ويعطل حياة الناس وسيؤدي إلى هجرة الناس قسرا.
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: هذا ليس مطلب سكان تفتان فقط، بل مطلب كلّ أهل المحافظة، أنه إذا كان هناك خير في هذه المنطقة، فيجب أن ينفق على هؤلاء الشعب الذين يظلون جوعى، وضحّوا من أجل هذه الأراضي. إذا كان هناك كنز في جبل تفتان، يجب صرفه على أهل هذه المنطقة، كما يجب ألا يضر هذا الاستخراج بالبيئة، ولا يدمر المياه الجوفية، ولا يتسبب في هجرة الناس.
وأكد فضيلته قائلا: لا بد من حل هذه القضية وتحقيق رضا الشعب، وأطالب أن توقف السلطات عمليات التعدين ما لم يتم حل هذه القضايا والمخاوف.


العدوان الإسرائيلي على رفح هو أمر مخالف للعقل والمنطق والإنسانية
وفي الجزء الأخير من كلمته خلال خطبة الجمعة، أعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن قلقه من قرار إسرائيل مهاجمة رفح، وتابع قائلا: لقد قتلت إسرائيل حتى الآن ما يقرب من 30 ألف شخص في غزة، غالبيتهم من النساء والأطفال والعزّل، والآن بزعم أن حماس لم يتم تدميرها بالكامل، تحاول الهجوم على رفح التي تعتبر الملاذ الأخير للاجئي غزة، وقد لجأ أكثر من مليون ونصف مليون شخص من غزة إلى مدينة رفح.
وتابع قائلا: إن إسرائيل قتلت ما يقرب من 30 ألف فلسطيني في غزة، مقابل 1600 يهودي قتلوا أو أسروا على يد حماس. كأنّ إسرائيل تريد قتل كل الفلسطينيين من أجل القضاء على حماس. بأي عقل ومنطق وعدالة وإنسانية تريد إسرائيل القيام بهذا العمل؟!
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: أهل غزة ليس لديهم بلد آخر يلجأون إليه، والأمم المتحدة والأميركيون والأوروبيون يقولون إن أهل غزّة لم يعد لهم مكان، لكن الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة تصر وتقول نحن لن ننتصر حتى ندمّر حماس. هل تريدون تدمير كل شعب فلسطين بسبب بعض أعضاء حماس؟! كل القضايا لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية وقتل الشعب، وهذا مخالف للعقل والمنطق، بل هناك طرق أخرى، لذلك قوموا بحل مشكلاتكم من الطرق السياسية.
وانتقد فضيلة الشيخ عبد الحميد بشدة الإجراء الأخير الذي اتخذته الولايات المتحدة فيما يتعلق باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن الخاص بالوقف الفوري لإطلاق النار في غزة، وقال: إن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن المتعلق بغزة، وإن هذا الفيتو في الوضع الحالي مخالف للعقل والعدل، وشعوب العالم كافة أنكروا هذا التصرّف الأمريكي. عندما يقول الأميركيون أنفسهم إنهم ضد الهجوم الإسرائيلي على رفح، لماذا استخدموا حق النقض ضد قرار وقف إطلاق النار الفوري في غزة؟!
وأكد خطيب أهل السنة: لا بد من وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وإطلاق سراح الأسرى في أسرع وقت ممكن. ويجب على الإسرائيليين والفلسطينيين أن يتفاوضوا مع بعضهم البعض، ولا بد من إعادة الأراضي المحتلة إلى الشعب الفلسطيني، ويجب التوصّل إلى اتفاق عادل حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من تولي مصيره وإنهاء هذا النزاع الذي طال أمده.

97 مشاهدات

تم النشر في: 24 فبراير, 2024


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©