أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (13 شوال 1446) إلى المفاوضات المقبلة بين إيران والولايات المتحدة يوم السبت، ونصح أطراف التفاوض بأن يكونوا “صادقين” و”ينتبهوا إلى الحقائق”.
وتابع فضيلته قائلا: النهج الأفضل أن يكون التفاوض مباشرا وبدون وسطاء، والتفاوض مع الوسيط لن يؤدي إلى أي نتيجة.
الشعب الإيراني راضٍ وسعيد بالمفاوضات
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: هذه المفاوضات تشكل اختبارا كبيرا جدا لبلدنا، والشعب الإيراني راضٍ وسعيد بإجراء المفاوضات، وكما قلت من قبل، فإن أفضل سياسة وإجراء هو أن تكون المفاوضات مباشرة وبدون الوسطاء.
المفاوضات مع وسيط لن تؤدي إلى أي نتيجة
وتابع فضيلته قائلا: ننصح الجانبين الإيراني والأمريكي في هذه المفاوضات برؤية الحقائق والواقع وأن يكونا صادقين، ولن تكون المفاوضات ذات جدوى إذا لم تكن هناك نوايا صادقة.
لا بد من أن يؤخذ أمن الشعب الإيراني وشعوب الشرق الأوسط في الاعتبار
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد: الشعب الإيراني هو أحد حقائق العالم وله مكانة مهمة وتاريخية. كل دول الشرق الأوسط حقيقة. فلسطين حقيقة، وإسرائيل حقيقة. واليهود أيضاً حقيقة، ولا نستطيع أن نقول: إنهم ليست لهم حقوق. والفلسطينيون أيضاً حقيقة. لذلك يجب على أولئك الذين يتفاوضون أن يأخذوا في الاعتبار أمن كل هذه الدول. لا ينبغي أن يكون أمن إسرائيل هو الاعتبار الوحيد.
هناك إبادة جماعية تجري في غزة ويتمّ انتهاك حقوق الإنسان
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الوضع الحالي في غزة: نحن ننتقد الأوروبيين والأميركيين أيضًا، وننصحهم برؤية الفلسطينيين وأهل غزة. ماذا يجري اليوم لشعب غزة، وكيف تحدث الإبادة الجماعية هناك، وكيف تنتهك حقوق الإنسان في غزة تحت وطأة الجيش الإسرائيلي!
وتابع: اليهود والمسلمون بشر بغض النظر عن معتقداتهم. لا يجوز قتل اليهودي ظلماً وبغير حق، ولا يجوز قتل المسلم بغير حق. إذا ارتكب مسلم أو يهودي جريمة قتل، فإنه سيتم قتله، ولكن لا ينبغي تدمير أمة بهذه الطريقة. من غير المقبول طلب الناس أن يهاجروا من الأرض التي ولدوا فيها وعاشوا فيها، وحيث توجد مقابرهم.
على الرئيس الأمريكي أن يكون واسع الأفق وأن يأخذ بعين الاعتبار حقوق كل من إسرائيل وفلسطين
واستطرد فضيلة الشيخ عبد الحميد: على الرئيس الأمريكي أن يكون واسع الأفق وأن يأخذ بعين الاعتبار حقوق كل من إسرائيل وفلسطين. لا يجوز اتخاذ أي قرار في أي مفاوضات بناء على تجاهل الحقائق ودون مراعاة حقوق الشعوب. لن تنجح مثل هذه المفاوضات أبدًا.
وأضاف: يجب أن تنظروا ليس فقط إلى هذه المنطقة، بل أيضاً إلى العالم الذي يعتمد اقتصاده وحياته على منطقة الشرق الأوسط”. لقد حوّل الخليج والبحر الأحمر والمحيطات هذه المنطقة إلى الممر الاقتصادي العالمي، والجميع يعتمدون على هذه المنطقة، ومن ثم لا بد من أخذ مصالح كافة المجتمعات والأمم بعين الاعتبار، ويجب أن تكون هذه المفاوضات ناجحة وذات نظرة طويلة الأمد ورؤية واسعة وأن تكون قادرة على إنتاج مخرجات إيجابية.
التفوّق العسكري لا يمكن أن يحل القضايا الإقليمية؛ العدالة ورؤية الحقائق هي التي تثبت الأمن
وأكد خطيب أهل السنّة في زاهدان قائلا: ما لم يتم حل قضية فلسطين وقضايا غزة فإن أمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب لن تصل إلى أي نتيجة، وإن مشكلة الإرهاب لن تحل من خلال التفوق النووي والتسليح، بل من خلال تطبيق العدالة، لا شك أنكم تمتلكون تفوقاً من حيث الآليات العسكرية ونشرتم مرافق ومعدات عسكرية حديثة في المنطقة، لكن التفوق العسكري لا يمكن أن يحل مشكلات المنطقة.
وتابع قائلا: العدل مع مراعاة الحقائق والإنصاف هو الذي يستطيع أن يحقق الأمن والسلام والراحة. نريد أن يعيش كل سكان الشرق الأوسط، بما في ذلك اليهود والشعب الفلسطيني وشعوب الشرق الأوسط والدول العربية وإيران والعالم في سلام، والحل الوحيد هو تطبيق العدالة واتخاذ نظرة عادلة وواقعية للقضايا.
تدمير فلسطين وغزة والتهجير القسري لسكان غزة نظرية متطرفة
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: من المقرر أن تلتقي إيران والولايات المتحدة في عُمان غداً، ونصيحتي هي أنه يجب على الجانبين التفاوض وجهاً لوجه، ويجب على الجانبين رؤية الحقائق والتفكير في الحلول والسعي إلى الحلول. لا ينبغي التطرف في المفاوضات، ولا بد من مراعاة جميع الأطراف.
وأضاف: يقول البعض: على اليهود أن يغادروا المنطقة أو يجب محوهم. نحن لا نعتبر هذا الرأي عادلاً أو منصفاً. كذلك فإن النظرية القائلة بأنه لا توجد فلسطين أو غزة وأنه يجب تهجير الفلسطينيين من هناك هي نظرية متطرفة أيضاً. هناك تطرف في كلا الجانبين حيث لا يريان الحقائق بعد.
واستطرد فضيلته قائلا: إذا لم يسع أحد في العالم إلى التوسع، ورضي الجميع بحقوقهم، وساد العدل والإنصاف، فهذه خدمة للإنسانية وحقوق الإنسان، وخدمة للسلام والأمن، وسيدعو الناس لكم بالخير، ولكن إذا أحرقتم المنطقة وخرجتم ولم تنظروا إلى الحقائق والواقع فلن تنجحوا، وأي نوع من السلام محكوم عليه بالفشل بهذه الطريقة. الذين تنتهك حقوقهم، عندما لا يجدون مخرجاً، يقومون بتفجير أنفسهم، لأن الهجمات الانتحارية ينفذها أولئك الذين يئسون من الحياة. سوف يصل العالم إلى السلام عندما يعلم الناس أنهم حصلوا على ما يستحقونه، وهذه هي الطبيعة البشرية.
على ممثلي إيران مراعاة ظروف البلاد والشعب في المفاوضات
وأعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن أمله في أن تسفر مفاوضات السبت عن “نتائج جيدة” وقال: نصيحتنا لمسؤولينا وممثلي إيران في هذه المفاوضات هي أن يأخذوا في الاعتبار ظروف البلاد ومكانة البلاد والشعب الإيراني.
وأضاف: يجب على الممثلين الذين يذهبون للتفاوض أن يعلموا أنهم في المفاوضات يمثلون الشعب الإيراني بأكمله، لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار حقوق وأوضاع جميع أولئك الذين يعيشون في ظروف صعبة لا تطاق. يجب أن يتغير هذا الوضع. إذا جرت المفاوضات بنية طيبة فإن الله تعالى سيكون في عوننا، ونأمل أن يكون الله في عوننا وأن تصل المفاوضات إلى نتائج مرضية للجميع في الشرق الأوسط والعالم.
لا ينبغي لمسؤولي البلاد أن يتأثروا بـ«المتطرفين»؛ لقد وجه المتطرفون ضربة قوية للبلاد والشعب
وتابع خطيب أهل السنّة في زاهدان قائلا: نصيحتي الأخيرة لمسؤولي البلاد هي عدم التأثر بالمتطرفين؛ لأن التطرف وجّه ضربة قوية للبلاد والشعب الإيراني، لسوء الحظ هناك الكثير من التطرف في بلدنا. بالطبع هناك الكثير من المعتدلين، لكن الاعتدال لا يحظى بقدر كبير من الاهتمام في بلادنا، و صوت المتطرفين عال؛ لأنهم موجودون في النظام والحكومة. حتى لو كانوا خارج النظام، فإنهم يتمتعون بسلطة ونفوذ كبيرين، في بعض الأحيان تكون قوتهم أكبر من سلطة المسؤولين، ويجبرون الجميع على التراجع بالصراخ والضجيج.
وأضاف: إن الله تعالى يوصي ويحذر نبيه في آية «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ» أن يصبر ويعلم أن وعد الله حق، ويحذر أن يضله السذج قصيروا النظر والمتطرفون، وفي الآية أيضًا حذر الله تعالى النبي موسى وهارون حيث قال: «قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ».
لا أقبل أي شيء سوى المصالح الوطنية
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: أنا لا أقبل إلا المصلحة الوطنية، لأن المصلحة الوطنية هي المصلحة الإسلامية. عندما تحمي الوطن فإنك تحمي الدين. إذا لم نحم الوطن فسوف ينشأ الهروب من الدين كما حدث في بلادنا، وهذه خسارة كبيرة.
وأضاف قائلا: يجب أن تفكروا على المستوى الوطني وتفكروا في مصالح الشعب الإيراني لأنكم تمثلون 85 إلى 90 مليون إيراني، خذوا في اعتباركم الفقراء، والقرويين، والعاطلين عن العمل، و سكان ضواحي المدن والبلدات، ولا تستمعوا إلى المتطرفين. لقد كلف المتطرفون الحكومة و الدولة والشعب تكاليف. لا تهتموا بهم، دعوهم يتحدثوا، ولكن لا تلتفتوا إلى كلامهم. استمعوا إلى كلمات المتعاطفين والمؤيدين للشعب الإيراني، من الرجال والنساء والشباب. اسمعوا إلى كلام محبي الوطن من العلماء والأكاديميين؛ لأن من بين العلماء والمتعلمين متطرفون يضر كلامهم بالمصالح الوطنية للبلاد والشعب، وهم موجودون أيضاً في الحكومة.
مشكلات البلاد سببها ضعف التدبير والإدارة
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد في قسم آخر من كلمته إلى الثروات الطبيعية الفريدة التي تمتلكها إيران والموارد التي وهبها الله لها وتابع قائلا: من المؤسف أن الشعب الإيراني جائع رغم كل الاحتياطيات والثروات التي يمتلكها، وهذا بسبب سوء الإدارة وانعدام الرؤية. لقد تعرضت بلادنا لضغطين ثقيلين؛ السبب الأول هو العقوبات المفروضة منذ عقود، والثاني هو سوء الإدارة، وهو ما يعترف به المسؤولون في البلاد.
وأضاف: إن الاقتصاد سيتحسن بالسياسة الصحيحة والإدارة القوية والصادقة ومحاربة الفساد. ذات مرة قال أحد كبار المسؤولين في البلاد: إن الفساد مضر، لكنه لا يشكل تهديداً للنظام ولا يستطيع الإطاحة به. مثل هذه الكلمات تؤذي الشعب.
وخاطب خطيب أهل السنة في زاهدان المسؤولين قائلا: يجب أن تفكروا في الشعب الإيراني أوّلا حتى لا يصبح جائعا ومحتاجا وحتى لا تتعرض المصالح الوطنية للخطر. عندما تتحقق المصالح الوطنية، سيتم حل العديد من المشكلات الأخرى أيضًا. عندما لا يكون لدى الشعب أي مشكلات، فلن يكون هناك سبب للاحتجاج.
وأكد قائلا: للأسف لم تتم مكافحة الفساد بالإدارة والتخطيط السليم، ولا يزال الفساد مستشرياً حتى يومنا هذا، وبحسب تصريحات السلطات فإن الفساد المالي انتشر على نطاق واسع حتى أصبح واسع الانتشار ومتجذرا. لقد أصبح العديد من المواطنين والعديد من المؤسسات ملوثة ومتورطة في الفساد.
الأحزاب والمنظمات المدنية هي علامة حياة كل بلد وشعب؛ ينبغي لحكومة باكستان والدول الأخرى أن ترحب بهذه الأحزاب والمنظمات
ونصح فضيلة الشيخ عبد الحميد المسؤولين الباكستانيين بالتحدث مع ناشطي المجتمع المدني والاهتمام بمطالبهم بدلاً من سجنهم. وقال: رأيي هو رأي من يريد الخير والإحسان ولا يميل إلى جانب على حساب آخر، ولكنني أرى المشكلات وأشعر أن لدينا مسؤولية ويجب أن نقول هذه الكلمات.
وأضاف: إن أي حركة سياسية ومدنية خالية من العنف، تستجيب لمطالب الشعب، هي مصدر نمو وتقدم لكل بلد، ووجود الأحزاب والمنظمات ضروري لكل شعب حي. إلا إذا كان الشعب ميتا، أما الشعوب الحية فلها مطالب مختلفة وتقدمها بطرق حضارية، وهذا أفضل بكثير لتقدم كل دولة وحل مشكلاتها. فإذا لم تكن في البلد أحزاب وفصائل ومجتمعات وجماعات مدنية، فإن هذا البلد سوف يموت.
ندعم الحوار والنقد البناء ونرفض العنف من أي طرف كان
وقال خطيب أهل السنة: نحن ندعم الحوار والنقد البناء، ونحن غير راضين بالعنف، ونعتقد أن الحرب مدمرة ودمارها عظيم، وينبغي للحكومات أن ترحب بالأحزاب والمجموعات وملاحقة القضايا بالطرق المدنية، ولا ينبغي وضع السياسيين في السجن. إن سجن السياسيين ليس عملا صحيحا في أي بلد، وخاصة إذا كان السياسيون من النساء، يجب احترام المرأة في جميع أنحاء العالم، وإن سجن النساء ينشر السخط.
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: أنا أرفض القتل والعنف، سواء من قبل الحكومة أو من قبل الشعب، ولكن عندما لا تكون الأحزاب والنشاطات المدنية حرة، والمساعي المدنية لتحقيق المطالب لم تؤد إلى نتائج، فمن الطبيعي أن يلجأ المتطرفون إلى حمل السلاح، وهذا ليس في مصلحة أي بلد، ولذلك فمن الأفضل التحدث معهم وحل مشكلاتهم، ويتعزز الأمن عندما يكون طريق الحوار والتفاوض مفتوحا. نرجو أن يمنح الله العالم رؤية واسعة.