header
فضيلة الشيخ عبد الحميد في خطبة الجمعة بمدينة زاهدان:

لا يوجد أي أفق واضح للحرب الإيرانية

عبّر فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة 3 صفر 1448، عن قلقه وأسفه العميق لاستمرار الحرب بين إيران وأمريكا، مؤكداً عدم وجود “مستقبل واضح” لهذه الحرب.
وأشار فضيلته إلى أن “صبر الشعب قد نفد بسبب الظروف المعيشية الصعبة”، مطالباً المسؤولين بـ “عدم ربط المصالح السياسية والاقتصادية للبلاد بمصالح أي دولة أو شعب آخر”، والتركيز “على مصالح الشعب الإيراني فقط”.


“الغلاء والتضخم” هما الشغل الشاغل للشعب في الظروف الراهنة
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن القلق الأكبر في الظروف الحالية هو معاناة مختلف شرائح المجتمع من الغلاء والتضخم، فباستثناء فئة محدودة من ذوي النفوذ الذين يستغلون نفوذهم لتحقيق مكاسب غير مشروعة، يواجه باقي أفراد الشعب نقصاً حاداً بل وانعداماً في السيولة المالية.
وأضاف: إن انخفاض قيمة العملة من جهة، والغلاء الفاحش وكساد الأسواق من جهة أخرى، قد قصم ظهور الناس، فالكثير من المواطنين يعجزون عن توفير الاحتياجات الأساسية لعائلاتهم، أو دفع تكاليف التعليم لأبنائهم في المدارس والجامعات، كما يعجز الكثيرون عن دفع إيجارات مساكنهم ومتاجرهم.


على المسؤولين توضيح الجهة التي نقضت مذكرة التفاهم
وأشار خطيب أهل السنة إلى أن الحرب، وللأسف، لا تزال مستمرة، ولا تلوح في الأفق مؤشرات واضحة على قرب انتهائها أو تحقيق مستقبل أفضل. وقال: كان الشعب يأمل أن تُفضي المفاوضات التي انطلقت آنذاك، والتي انعكس أثرها بانخفاض أسعار الدولار والذهب، إلى نتائج ملموسة واتفاق نهائي، إلا أننا لا نزال نجهل الجهة التي نقضت مذكرة التفاهم وأفشلت الوصول إلى ذلك الاتفاق.
وأضاف: يجب على المسؤولين أن يجيبوا بوضوح عن سؤال جوهري: مَن الذي نقض مذكرة التفاهم؟، معربًا عن أسفه لما وصفه بغياب الدور المهني للإعلام الوطني، وقال: من المؤسف أن إعلامنا الذي يحمل اسم (الوطني) لا يؤدي دورًا وطنيًا حقيقيًا، ولا يضع المواطنين في صورة مجريات الحرب وحقائقها.
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلًا: تشهد البلاد في هذه الأيام استهدافًا للموانئ والأرصفة في جنوب البلاد، وهي منشآت أُنفقت المليارات على إنشائها، وتُعد شريانًا حيويًا للتجارة والاقتصاد الوطني. كما تتعرض الجسور وشبكات الطرق والبنية التحتية والممتلكات العامة للتدمير، ما يُلحق بالبلاد خسائر فادحة على مختلف المستويات.


صبر الشعب نفد بسبب الظروف المعيشية؛ ولا بد من إيقاف المتشددين واتخاذ تدابير حكيمة
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان على أهمية التحلي بـ”بُعد النظر”، متسائلًا: لماذا يفتقر المعارضون للاتفاق إلى بُعد النظر؟ يتحدث بعضهم عن الانتقام، لكن لكل شيء أوانه، والانتقام يتطلب صبرًا. أما في ظل الظروف الراهنة، حيث يعجز كثير من المواطنين عن تأمين قوت يومهم ويواجهون تحديات تمس حياتهم ومعيشتهم، فإن مثل هذه التوجهات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والمعاناة للشعب.
وتابع فضيلته: إذا لم يتم كبح جماح المتشددين، ولم تُتخذ تدابير حكيمة وعاجلة، فإن الله وحده يعلم المصير الصعب الذي قد تواجهه البلاد والشعب. لكن ما نعلمه يقينًا هو أن صبر المواطنين قد نفد تمامًا تحت وطأة هذه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.


سيدنا علي، والحسن، والحسين رضي الله عنهم كانوا أئمةً للصلح
وفي معرض رده على المعارضين للمفاوضات والاتفاق، الذين يستشهدون بعدم صلح سيدنا الحسين رضي الله عنه مع يزيد، قال فضيلة الشيخ عبد الحميد: يقول البعض: إذا كان سيدنا الحسين رضي الله عنه لم يصالح يزيد، فلماذا نصالح نحن الولايات المتحدة؟
وأضاف: لكن سيدنا الحسن، وهو ابن سيدنا علي رضي الله عنه، قد صالح معاوية. ومن منظور إخواننا الشيعة، فإن سيدنا الحسن يُعد معصومًا، ومع ذلك أبرم الصلح مع معاوية.
وأشار فضيلته إلى أن سيدنا الحسين رضي الله عنه، عندما علم بنقض أهل الكوفة لعهدهم، خاطب جيش يزيد قائلًا: إني لا أريد قتالكم، فدعوني أرجع إلى المدينة المنورة، وسأكلم يزيد بنفسي. إلا أن جيش يزيد اختار أسره، وعندها قال سيدنا الحسين رضي الله عنه كلمته المشهورة: “هيهات منا الذلة”، مؤكدًا أنه لا يقبل ذل الأسر، وأنه سيقاتل دفاعًا عن كرامته.
وأضاف: إن موقف سيدنا الحسين رضي الله عنه كان اختيارًا بين القبول بالأسر والذل أو مواجهة القتال، ولذلك فإن سيدنا الحسين كان من دعاة الصلح، كما كان سيدنا علي رضي الله عنه من دعاة الصلح أيضًا، فقد اختار الصلح والتفاهم في العديد من القضايا التي واجهته.


المفاوضات والصلح من تعاليم القرآن
واعتبر خطيب أهل السنة في زاهدان المفاوضات والصلح من تعاليم القرآن، قائلاً: يقول الله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}؛ فإذا كان الطرف الآخر يميل إلى السلم، فميلوا أنتم أيضاً إليه. لذا، فإن التفاوض والحوار والصلح هو تعليم قرآني، ولا يمكن لأحد أن يعمل خلاف تعليم القرآن. فقد صالح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مشركي مكة الذين أخرجوه والمسلمين من مكة.


لا تربطوا المصالح السياسية والاقتصادية للشعب الإيراني بمصالح بلدان أخرى
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلًا: إن إيران هي ملك للشعب الإيراني، وعلى المسؤولين أن يضعوا مصالح إيران وشعبها في مقدمة أولوياتهم. نتمنى الخير للشعوب والدول الأخرى، لكن لا ينبغي ربط أمن الشعب الإيراني ومصالحه السياسية والاقتصادية بمصالح دول أخرى؛ فهذا من الواجبات الشرعية والسياسية الملقاة على عاتق المسؤولين.


بعض المسؤولين المحليين يسعون إلى “تصفية الحسابات”.. وهذه الضغوط تضر بالوحدة والأمن
وفي جانب آخر من خطبته، أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى “الضغوط وتصفية الحسابات السياسية” ضد “مجمع المكي التعليمي”، قائلًا: في الوقت الذي تتعرض فيه البلاد للقصف من قبل طائرات العدو، ينشغل للأسف بعض المسؤولين المحليين بتصفية الحسابات وممارسة الضغوط على مجمع الجامع المكي.
وأضاف: لقد تم اعتقال وترحيل عدد من العلماء وبعض أساتذة جامعة دار العلوم زاهدان، والله يعلم أنهم لم يلحقوا الضرر بأحد ولم يسعوا إلى إثارة الفتنة. كما تم اعتقال عدد من العاملين في المجمع والمسؤولين عن جمع التبرعات، ويُبرَّر ذلك بذريعة قضية “الرعايا الأجانب”، في حين أننا نعلم يقينًا أن الأمر لا يتعلق بهذه القضية، وإنما هو تصفية حسابات وممارسة ضغوط سياسية.


تحت ذريعة “الرعايا الأجانب”، يُمارس ظلم كبير على أهالي المنطقة
وتابع خطيب أهل السنة في زاهدان: العلماء الذين تم استدعاؤهم مراراً وتكراراً لأسباب تافهة والضغط عليهم ثم ترحيلهم، هم من مواليد إيران ومن نفس القبائل والعشائر التي تعيش هنا، وآباؤهم عاشوا هنا.
وأكد قائلاً: للأسف، تحت ذريعة “الأجانب الرعايا”، يُمارس ظلم كبير جداً على أهالي المنطقة. لقد منعوا عشرات الآلاف من الناس من الحصول على الخدمات، وباستثناء حالات قليلة، فإن السبب وراء كل هذه الإجراءات هو “الضغط السياسي”.


الكثير من بنود وشروط اتفاق “الجمعة الدامية” في زاهدان، لم تُنفذ
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى أنه بعد حادثة “الجمعة الدامية” في زاهدان، شهدت معظم الإدارات في المحافظة تغييرات، إلا أن بعض الأشخاص لا يزالون يشغلون مناصبهم منذ ذلك الوقت. وأضاف: فيما يتعلق بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد أحداث الجمعة الدامية، هناك أمور لم أتحدث عنها حتى الآن، وقد أتحدث عنها في المستقبل.
وتابع قائلًا: في ذلك الوقت، ناشدنا الناس قبول الاتفاق من أجل منع وقوع حالة من انعدام الأمن. وقد تم التوصل إلى الاتفاق، وعاد الأمن والاستقرار إلى المنطقة، لكن للأسف لم تُنفذ العديد من بنوده وشروطه، ونحن نعلم الجهات التي عارضت تنفيذها.


على مجلس أمن المحافظة كبح جماح المتشددين
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد في نهاية خطبته: نحن من سكان المنطقة الأصليين ونعرف ظروف الأوضاع. لن يسمح أهالي المنطقة بممارسة الضغوط. وأطلب من إدارة المحافظة ومجلس أمن المحافظة معالجة هذا الأمر وكبح جماح المتشددين؛ لأن هذه التصرفات والضغوط تضر بالوحدة ولا تساعد في تعزيز الأمن والوئام والأخوة.


تجاهل «حقوق الله وحقوق العباد» خروجٌ عن نهج التقوى والاعتدال
أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، في قسم آخر من خطبة الجمعة على أهمية ومكانة «التقوى» بمفهومها الشامل، واصفاً «رعاية حقوق الله وحقوق العباد» بأنها جوهر التقوى، محذراً في الوقت ذاته من التبعات الدنيوية والأخروية المترتبة على الغفلة عن «التقوى» و«إصلاح المجتمع».


«التقوى والورع» طوق نجاة الإنسان من التحديات والمشكلات
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد بعد تلاوة الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، قائلا: إن ما ينجي الإنسان من أهوال الدنيا والآخرة هو «التقوى والورع»، والتقوى تعني الطاعة المطلقة لله تعالى مع رعاية حقوق الله وحقوق العباد.
وفي سياق الحديث عن حقوق العباد، أوضح قائلاً: التقوى تقتضي ألا يقع منّا ظلمٌ أو إجحاف بحق البشر، وألا تدفعنا مشاعر الحب والبغض نحو عدم الإنصاف. إن تجاهل حقوق الله وحقوق الناس هو في الحقيقة خروجٌ عن جادة التقوى والاعتدال، وهو ما يعرض الإنسان للمساءلة والعذاب الإلهي في القبر ويوم القيامة.
وأضاف: ما دامت حقوق الله وحقوق العباد تُنتهك في المجتمع، فإن هذا المجتمع سيواجه التحديات، والأزمات، وضيق الرزق، والآفات السماوية والأرضية.
وشدد خطيب أهل السنة في زاهدان على ضرورة «إصلاح المجتمع»، قائلاً: ينبغي على المجتمع أن يسير في طريق الحق والصواب، وعلى أفراده أن يأخذوا على أيدي العاصين والمجرمين والظالمين. يجب التصدي لكل من يمارس قطع الطريق، أو الاختطاف، أو سلب الحقوق، فإذا لم يسعَ الناس، كلٌّ حسب قدرته، لرفع الظلم وإصلاح المجتمع، فسيتعرضون للمساءلة أمام الله تعالى.


المنطقة تعاني بشدة من ظاهرة «الاختطاف»؛ ومنع هذا «الظلم الكبير» مسؤولية جماعية
في جانب آخر من خطبته، أعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن أسفه الشديد لتنامي ظاهرة السرقة والاختطاف، قائلاً: للأسف تزايدت في هذه الأيام جرائم السرقة والاختطاف، وتكابد المنطقة معاناة شديدة من هذه الظاهرة. إننا لا نعلم من الذي يحرّك هؤلاء المختطِفين، وما هي الأيادي الخفية التي تمنع القضاء على عصابات الاختطاف وابتزاز الأموال.
وأضاف: ننصح جميع القبائل والعشائر في محافظة سيستان وبلوشستان ألا يسمحوا للمجرمين، الذين يزعزعون أمن المجتمع، بأن يجدوا لهم ملاذاً بين هذه القبائل، وأكد أن المسؤولية الملقاة على عاتق العلماء، والأعيان، والوجهاء، والآباء والأمهات، جسيمة للغاية.
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان قائلا: عليكم جميعاً واجب التصدي بشتى الوسائل لهذه الظاهرة القبيحة، وهي الاختطاف الذي يعد ظلماً فادحاً، وإنني أوصي الوجهاء والأعيان بألا يتدخلوا بالوساطة لصالح من يرتكبون جرائم الاختطاف، بل يجب الوقوف في وجه الظلم، والاختطاف، والابتزاز.

26 مشاهدات

تم النشر في: 18 يوليو, 2026


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©