header

قال فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (8 ربيع الأول 1448): إن مولد النبي الكريم ﷺ «ولادة النور والرحمة» و«علامة على عناية الله الخاصة بالبشرية»، وأوصى عموم المسلمين، ولا سيما الحكام والمسؤولين في البلدان الإسلامية، بالاقتداء بسيرته العملية، مستعرضًا جوانب من سيرته ﷺ.
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى حلول شهر ربيع الأول، قائلا: إن مولد رسول الله ﷺ مولد الحق والنور والرحمة، وعلامة على عناية الله الخاصة والمميزة بالعالمين. وإن مولد النبي ﷺ كانت في الحقيقة ولادة الإنسان الحقيقي والقدوة المثالية.
وأضاف في حديثه عن أوضاع المجتمع البشري في زمن مولد النبي الكريم ﷺ: لقد وُلد ﷺ في زمن وظروف كانت الدنيا فيها تعيش ظلامًا دامسًا، إذ لم يكن الاعتقاد الصحيح ولا السلوك القويم ولا الأخلاق الفاضلة سائدة بين الناس، وانتشر الظلم والوحشية والجريمة وسلب الحقوق والخلافات والحروب القومية والعرقية التي كانت تستمر لسنوات طويلة، حتى غدت الحياة مريرة على البشر، وكانت النساء والأيتام محرومين من حقوقهم؛ فالمرأة لم تكن محرومة من حقها في الميراث فحسب، بل كانت هي نفسها تورَّث باعتبارها جزءًا من التركة، كما غابت معرفة الله وعبادته، وانتشر الشرك وعبادة الأصنام في العالم.


الضلالات تزال بالوحي
وأوضح خطيب أهل السنة في زاهدان أن النبي ﷺ عندما كان يرى أوضاع المجتمع والعالم المضطربة، كان يحزن ويقلق ويتساءل: كيف يمكن معالجة هذه المشكلات؟ وكان ﷺ يلجأ من شدة حزنه إلى غار حراء، وهناك جاءه الملك من عند ربه وقال له: «اقرأ»، أي إن طريق إنقاذ المجتمع يكمن في تحصيل العلم والمعرفة الصحيحة، التي ينالها الإنسان عن طريق القراءة.
وأضاف: إن بدء نزول القرآن الكريم بآيات: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم﴾ يعني أن هذا هو زمن القراءة والكتابة والعلم والمعرفة. فقد أخبر الله تعالى نبيه ﷺ أن الله الذي خلق الإنسان من علق، وهو صاحب الفضل والإحسان، قادر على أن ينقل إلى البشرية، من خلال لسانك وصدرك، بحرًا من المعارف والعلوم وما تحتاج إليه البشرية، وأن يعلّم الناس ويهديهم. ومع نزول الوحي قامت الصلة بين الأرض والسماء، وانتهى القلق الذي كان يساور النبي ﷺ بشأن هداية المجتمع البشري، إذ تبيّن أن الظلمات والضلالات التي سادت عصر الجاهلية يمكن إزالتها عن طريق الوحي.


النبي الكريم ﷺ حمل للعالم رسالة العقيدة والأخلاق الصحيحة والعدل والإنصاف والحرية
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد، قائلا: إن الله تعالى يخاطب نبيه ﷺ بقوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾؛ ولا نعلم موضعًا وصف الله تعالى فيه أحدًا من الأنبياء السابقين بأنه «رحمة للعالمين»، ولعل ذلك لأن النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء، ولأن نبوته مستمرة إلى قيام الساعة، وهو مبعوث إلى المجتمع الإنساني كله وإلى البشرية جميعا.
وأضاف: جاء النبي ﷺ ليدعو إلى الإيمان والعقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة، وجاء ليحرر الإنسان من العبودية والخضوع للمخلوق، ويوجهه إلى عبادة الله الواحد. لقد جاء النبي الكريم ﷺ إلى عالم لم يعرف العدل والإنصاف، فأتى بالحرية والعزة والعدل والإنصاف والصدق والأمانة وصلة الرحم ومكارم الأخلاق، وعلّم العالم درس الحرية والحق، لكي يعيش الناس على طريق الحق، ويتجنبوا أكل المال الحرام وسفك الدماء والاعتداء والتجاوز على أموال الآخرين وأنفسهم.


عاش النبي ﷺ حياة بسيطة؛ وبعثته ﷺ فتحت أمام الإنسان أبوابًا مادية ومعنوية
وتحدث مدير جامعة دار العلوم في زاهدان عن جوانب من الحياة العملية للنبي الكريم ﷺ، فقال: لقد عاش النبي ﷺ حياة بسيطة؛ فكان يجلس على التراب والحصير مثل سائر الناس، وكان يلبس كما يلبس عامة الناس.
وأضاف: لقد تغيّرت حياة الصحابة ببعثة النبي ﷺ، وشعر الصحابة وكأنهم وُلدوا من جديد وبدأوا حياة جديدة، تقوم على معرفة الله والصدق والحقيقة. لقد فتحت بعثة النبي ﷺ أمام الإنسان أبوابًا مادية ومعنوية، فأصبح الجياع في جزيرة العرب شبعى، وتحول المتوحشون إلى بشر حقيقيين، وكما قال العلامة إقبال رحمه الله:«إن قطّاع الطرق، بفضل حفظ كتابه، أصبحوا قادة».
وتابع: وفي ظل تعاليم النبي ﷺ، أصبح الصحابة حكامًا عادلين خدموا الناس وأحسنوا إليهم.


كان النبي ﷺ رحيمًا حتى بأعدائه
وأشار خطيب أهل السنة في زاهدان إلى أن من المؤسف أن العالم لا يقدّر قيمة الثروة العظيمة التي يمثلها النبي الكريم ﷺ ودين الإسلام، ولعل من أسباب ذلك سلوك كثير من المسلمين اليوم، فاليوم يدّعي كثير من المسلمين اتباع الإسلام، لكن هذه الدعوى، للأسف، تفتقر في كثير من الأحيان إلى الواقع؛ إذ إن أخلاق النبي ﷺ وسيرته وحياة الصحابة وأهل البيت حاضرة في حياتنا بدرجة محدودة جدًا.
وأضاف: ينبغي لنا جميعًا أن ننظر إلى مقدار ما يوجد في حياتنا، نحن المسلمين، من العدل والإنصاف والرحمة، ومدى تشابهها مع حياة النبي ﷺ. فقد كان ﷺ رحيمًا حتى بأعدائه الذين قتلوا وعذّبوا كثيرًا من المسلمين في الغزوات والحروب المختلفة، بل وحتى قبل الهجرة، وعندما فتحت مكة، أعلن «العفو العام» وقال: «اليوم يوم المرحمة»؛ أي اليوم يوم الرحمة والعفو.


يفتح العالم بـ«الأخلاق والصدق وإقامة العدل»
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد على أن أهل جزيرة العرب وغيرهم من شعوب العالم تأثروا برحمة النبي ﷺ وشفقته. وقال: إن الإسلام لم ينتشر في العالم بقوة السيف، وإنما انتشر بالأخلاق والرحمة، والعالم لا يُفتح بالقنابل والصواريخ والأسلحة النووية، وإنما يُفتح بالأخلاق والصدق والإخلاص والعدل.
وأضاف: يمكن اليوم أيضًا فتح القلوب والعالم من خلال أخلاق النبي الأكرم ﷺ وسلوك الصحابة، وقد أثنى القرآن الكريم على إيثار الصحابة وتضحيتهم، فقد كانوا يطعمون الجائعين، ثم يذكرون الله ويبيتون جياعًا.
وفي ختام هذا القسم من كلمته، أوصى خطيب أهل السنة في زاهدان عموم المسلمين، ولا سيما المسؤولين، بالاقتداء بسيرة النبي ﷺ.


الأوضاع المعيشية للمواطنين بالغة الصعوبة؛ ويجب إنفاق جميع الثروات من أجل الشعب
وفي قسم آخر من خطبته، قال فضيلة الشيخ عبد الحميد: في هذه الظروف، وبعد أن خلص الأعداء إلى أن بإمكانهم، بدلًا من الحرب والقصف، فرض ظروف أشد صعوبة على الشعب الإيراني من خلال تشديد الحصار وشلّ الاقتصاد، يجب على المسؤولين أن يهتموا بمعيشة الشعب وحياتهم.
وأضاف: إن الشعب الإيراني يمرّ من الناحية الاقتصادية بظروف بالغة الصعوبة والاستثنائية حقًّا، حتى إن أحدًا لا يكاد يستطيع توفير نفقات أسرته، وقد انخفضت القدرة الشرائية للمواطنين بشكل حاد، وأصبحت المحال والمتاجر تفتقر إلى الزبائن. وفي مثل هذه الظروف، يجب أن ينصبّ كامل تركيز المسؤولين وتفكيرهم وتخطيطهم على معالجة المشكلات المعيشية والاقتصادية للمواطنين، وأن تُسخَّر جميع الإمكانات والثروات لخدمة الشعب.


على المسؤولين مكافحة التطرف والفساد المالي
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان، في سياق حديثه، ضرورة «مكافحة الفساد»، قائلًا: للأسف، تفشّى الفساد المالي في بلدنا، وأصبح الفساد المالي منشأً لكثير من أوجه الفساد الأخرى. ولذلك يجب مكافحة الفساد، وما لم يتم وضع حدّ للمتطرفين ومكافحة الفساد المالي، فلن تصل حتى الإمكانات والاستثمارات المحدودة الموجودة إلى المواطنين.


ربط موجة عمليات الاختطاف الأخيرة بالمخدرات غير صحيح؛ إذ يتم اختطاف أبرياء
واعتبر فضيلة الشيخ عبد الحميد، في جانب آخر من خطبته بمدينة زاهدان، أن ربط موجة عمليات الاختطاف الأخيرة بالمخدرات، تقدير غير صحيح، وقال: ذكر أحد المسؤولين أن معظم عمليات الخطف واحتجاز الرهائن التي تحدث هذه الأيام مرتبطة بالمخدرات. وفي رأيي، هذا التقدير غير صحيح؛ فقد يكون كلامه صحيحًا بالنسبة إلى الماضي، ولكن معظم عمليات الاختطاف في هذه الأيام تتم بهدف ابتزاز الأموال وطلب الفدية، وربما لا تكون هناك سوى حالات قليلة جدًا مرتبطة بالمخدرات.
وأضاف: إن ما نخشى منه هو أن تؤدي مثل هذه التصريحات إلى عدم شعور المسؤولين بالمسؤولية؛ لأنه سبق أن أُبلغت الجهات المركزية، في تقارير سابقة، بأن المخدرات هي مصدر عمليات الاختطاف هذه، في حين أن الأمر ليس كذلك، بل إن التجار وأصحاب المحال وأشخاصًا أبرياء يتم اختطافهم واحتجازهم كرهائن.


عدم تطبيق القانون بصورة صحيحة سبب ازدياد جرائم القتل والاختطاف
ووصف خطيب أهل السنة «عدم تطبيق القانون بصورة صحيحة» بأنه سبب ازدياد جرائم القتل والسرقة وقطع الطرق، وقال: إن سبب ازدياد السرقات وقطع الطرق والاختطاف وعمليات القتل غير المشروعة في المجتمع هذه الأيام هو عدم تطبيق القانون على الوجه الصحيح.
وأكد قائلًا: إذا طُبّق القانون كما ينبغي، فلن يختل أمن المجتمع. أما عندما لا يُطبَّق القانون بصورة صحيحة وعادلة، وتحدث الرشوة واستغلال النفوذ، ويدفع قاطع الطريق أو الخاطف أو القاتل رشوة لإنقاذ نفسه، أو تحدث المحاباة والوساطات، ويعتمد القاتل والخاطف على تدخل الشيوخ ووجهاء القوم والعلماء لإنقاذه، فإن كل ذلك يؤدي إلى ظهور المشكلات في المجتمع.


القتل بغير حق لا مبرر له؛ وعلى العلماء ووجهاء القوم عدم التوسط في جرائم القتل التي لا مبرر لها
ووصف فضيلة الشيخ عبد الحميد «القتل بغير حق» بأنه «لا يمكن تبريره»، وقال: إذا وقع قتل دفاعًا عن العرض، أو دفاعًا عن النفس والمال في مواجهة شخص أشهر سلاحه، فقد يكون من الممكن تبريره. أما القتل بغير حق، الذي يقتل فيه شخصٌ الناس ابتداءً ومن دون حق، فلا مبرر له إطلاقًا.
وأضاف: إن طلبي من العلماء ووجهاء القوم وجميع الناس والقبائل هو ألا يتوسطوا أو يشفعوا في جرائم القتل التي لا مبرر لها. فمن قتل إنسانًا يُقتل، ولكن لأن الله تعالى شرع التخفيف والتيسير، وأجاز لأولياء الدم العفو أو أخذ الدية، فإننا لا نغلق هذا الباب. قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.


الخاطف خائن؛ فلا يشفعنّ أحد لإنقاذ الخائن / اختطاف الناس حتى من أجل استيفاء الديون حرام شرعًا وممنوع قانونًا؛ ويجب حل المشكلات بالطرق الشرعية والقانونية
واستطرد خطيب أهل السنة في زاهدان قائلا: عندما يُلقى القبض على أحد الخاطفين، فلا يشفعنّ له أحد؛ لأن الخاطفين خائنون، وقد قال الله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
وتابع فضيلته، قائلا: إن اختطاف الناس واحتجازهم طلبًا للفدية، وكذلك احتجازهم بسبب الديون والقروض، حرام وغير جائز شرعًا، وممنوع قانونًا أيضًا. ولذلك يجب أن تنتهي هذه الظاهرة السيئة المتمثلة في الاختطاف، وإذا كانت لدى أحد قضية تتعلق بقرض أو دين أو أي مشكلة ومسألة أخرى، فعليه أن يسعى إلى حلها ومتابعتها عن طريق الشريعة والقانون والوساطة من قبل الوجهاء.


جميع القبائل تضررت من ظاهرة الاختطاف؛ ويجب الحفاظ على حرمة جميع القبائل
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، مواصلًا حديثه، ضرورة الحفاظ على حرمة جميع القبائل، وقال: في قضية الاختطافات والمشكلات الأخيرة، تضررت جميع القبائل ووقعت عليها المظالم. ولذلك لا تلوموا قومًا بعينه، ولا تذكروا أسماء قبائل معينة. فقد يوجد في أي قوم أفراد فاسدون، وهذا لا يعني أن يُلام القوم بأكمله أو يُوجَّه إليه اللوم، بل يجب الحفاظ على حرمة جميع الأقوام والقبائل، ومساءلة السارق وقاطع الطريق والخاطف وحده، بصرف النظر عن القومية التي ينتمي إليها.


على جميع القبائل والمذاهب في المحافظة أن تتحد للقضاء على مشكلة الاختطاف
وشدد مدير جامعة دار العلوم في زاهدان قائلًا: يجب على جميع القبائل والمذاهب في المحافظة أن تتحد معًا للقضاء على مشكلة الاختطاف وابتزاز الأموال والسرقة، التي أخلّت بأمن المجتمع. وكما رأينا خلال الأيام الماضية، فقد قدم عدد كبير من أبناء الفئات المختلفة إلى جامعة دار العلوم زاهدان، وأعلنوا دعمهم لهذا الموقف.
وأضاف: إن عددًا من العلماء من داخل المحافظة ومن مختلف أنحاء البلاد، وكذلك بعض العلماء من خارج البلاد، اعتبروا المواقف المطالبة بمكافحة الاختطاف مواقف محقة، وأعلنوا دعمهم لهذه التصريحات، التي تؤكد ضرورة الدفاع عن أمن الشعب وحقوقهم والاستماع إلى مطالبهم.

.

17 مشاهدات

تم النشر في: 22 أغسطس, 2026


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©