صرّح فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (7 ذوالقعدة 1447)، بأن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تُعدّ من أهم محاور وأسس سعادة المسلمين وفوزهم في الدنيا والآخرة، وأوصى عموم المسلمين باتباع القوانين الإلهية في جميع الظروف والأحوال، مؤكدًا على ذلك.
الاستجابة لله ولرسوله هي أساس السعادة في الدنيا والآخرة
تلا فضيلة الشيخ عبد الحميد الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» [الأنفال: 24]، وأضاف قائلا: إن الله تعالى بيّن في هذه الآية أحد أصول النجاح والسعادة. فقد دعا الله تعالى فيها المؤمنين إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. إن أساس السعادة هو الاستجابة لله ورسوله، أي ألا نتجاهل دعوة الله ورسوله، بل نطيعها بإخلاصٍ تام؛ فالسعادة تكمن في ذلك.
طاعة الصحابة كانت سبب انتصارهم في معركة بدر غير المتكافئة
وأشار إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان إلى غزوة بدر، قائلاً: كانت معركة بدر معركة غير متكافئة واختبارًا عظيمًا للمسلمين؛ ففي جانبٍ كان المسلمون بلا تجهيزات عسكرية، وفي الجانب الآخر كان المشركون مجهزين بالكامل. كما كان عدد المسلمين قليلًا مقارنة بمشركي مكة؛ فقد كانوا ألفًا، بينما كان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر.
وأضاف: كان المنافقون يقولون إن المسلمين لن يعودوا سالمين من بدر، لكن رغم هذه الظروف الصعبة انتصر المسلمون، وكان سر نجاحهم أنهم لم يعصوا أمر رسول الله ولو لحظة، بل قالوا: مُرنا بما شئت فنحن مستعدون للتضحية بأرواحنا. إن تأمرنا بالتقدم نتقدم، وإن تأمرنا بخوض البحر نخوضه بخيولنا. فسرّ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الطاعة ودعا قائلاً: «اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً». وكانت هذه الطاعة سببًا في انتصار القلة على الكثرة. فانتصر المسلمون، وقُتل سبعون من أهل مكة وأُسر سبعون، وفرّ الباقون تاركين أمتعتهم، وقد أصابهم الخزي، وقُتل أبو جهل قائدهم مع عدد من كبارهم، ولم يستطيعوا حتى جمع قتلاهم.
وتابع: إن الصحابة قدوة لنا؛ فقد جعلوا الطاعة لله ورسوله أساس النصر، فلم يتركوا الصلاة، وصاموا، وأدوا الزكاة، وامتثلوا لكل أمر. لكنهم حين أخطؤوا في موقفٍ ما، واجهوا هزيمة كبيرة.
مخالفة بعض الصحابة لأمر النبي في أُحد غيّرت مجرى المعركة وأدت إلى الهزيمة
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى غزوة أحد قائلاً: بعد عام من بدر، خرج أهل مكة للانتقام، واقترح بعض شباب الصحابة الخروج لملاقاتهم، بينما رأى آخرون التحصّن داخل المدينة، وكان رأي النبي صلى الله عليه وسلم هو الدفاع من الداخل، لكن عندما أصرّ بعض الشباب، وافق وخرج إلى أُحد.
وأضاف: عيّن النبي خمسين رامياً لحماية موقعٍ استراتيجي، وأمرهم بعدم تركه مهما حصل. لكن عندما ظنّ بعضهم أن المعركة انتهت، ترك أربعون منهم مواقعهم، فاستغل خالد بن الوليد ذلك وهاجم الموقع، وعاد المشركون وهاجموا المسلمين من جهتين، فاستشهد سبعون مسلمًا، منهم حمزة رضي الله عنه، وأُصيب النبي صلى الله عليه وسلم.
وتابع: عندما تساءل المسلمون عن سبب الهزيمة، بيّن الله أن السبب هو المخالفة؛ ففي بدر كان النصر بالطاعة، وفي أُحد كانت الهزيمة بالمخالفة.
المعصية سبب الهزيمة والطاعة سبب العزة
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد أن الله علّم المسلمين أن المعصية تؤدي إلى الفشل، وأن الطاعة سبب العزة. وقال: إن المسلمين اليوم متفرقون ويعانون من الفشل بسبب ابتعادهم عن الله ورسوله والقرآن والسيرة. ولو أطاعوا الله لنجحوا في الدنيا والآخرة.
وشدد على أهمية التقوى واحترام حقوق الآخرين، وعدم الظلم، ومراعاة حقوق النساء والأيتام والضعفاء، وكذلك الشركاء في العمل والحياة.
مراعاة حقوق غير المسلمين والنساء
وأشار إلى وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حيث أكد على حقوق النساء وغير المسلمين، وقال: يجب إعطاء النساء حقوقهن من مهرٍ وميراث، واحترام كرامتهن، فاقبلوا وصية النبي في حقّ النساء وغير المسلمين من أهل الذمة.
وأضاف: أمر الله بالإحسان إلى غير المسلمين الذين لا يحاربون المسلمين، والعدل معهم، ومراعاة حقوقهم.
في الإسلام حرية ولا إكراه في الدين
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: لقد ورد في القرآن تأكيدٌ كبير على مراعاة حقوق الإنسان. وفي الإسلام حرية؛ فاعتناق الإسلام أمرٌ اختياري، ولا يحقّ لأحدٍ أن يُكره غيره على الدخول فيه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع غير المسلمين من تناول الخمر أو أكل لحم الخنزير، إذ كانوا يرون ذلك جائزًا وحلالًا لأنفسهم.
وتابع: في صدر الإسلام، لم يتعرّض أحدٌ لمعابد غير المسلمين ودور عبادتهم، وكان عبدة الأوثان يمارسون عباداتهم بين المسلمين دون أن يتعرض لهم أحد. وقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة وهم مشركون، ولم يتعرض للمشركين في المدينة. غير أنّه كان يُقاتل من يحمل السلاح ضدّ المسلمين ويعتدي عليهم.
أهمية تقسيم الميراث
وأشار إلى أن الميراث أمر مهم، ويجب تقسيمه بدقة بين الورثة، خاصة الأيتام والنساء، وأنه من أهم الأمور بعد دفن الميت.
إذا التزم المسلمون بالحقوق الإلهية، فإنّ العالم سيُقبل على دين الإسلام
وفي ختام كلمته، صرّح إمامُ جمعة زاهدان: إنّه إذا روعيت حقوقُ الإنسان كما أكّد عليها دينُ الإسلام، فإنّ العالم سيُقبل على هذا الدين؛ أمّا إذا اقتصر الأمر على الاسم دون الالتزام بأصوله وضوابطه، فإنّ هذا النهج لن يكون مقبولًا، بل سيؤدّي إلى ابتعاد الناس عن الدين.
وأضاف: إنّ دين الإسلام أمانةُ الله تعالى ورسولِه في أعناقنا؛ نسأل الله أن يكون المسلمون أمناءَ صالحين، يحفظون الدين كما هو، ويلتزمون به وبأحكامه. فالدين ليس مجرّد اسم، بل الأهمّ هو العمل به.