أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (2 رمضان 1447)، إلى «التبعات الثقيلة للحرب على الشعوب»، مؤكّدًا أنه «لا ينبغي لأحد أن يتمنى الحرب أو المواجهة مع العدو»، وقال: إن منع وقوع الحرب بيد المسؤولين، فعليهم أن يتخذوا «التدابير» اللازمة للحيلولة دون اندلاعها.
وتابع فضيلته قائلا: في هذه الأيام يُتحدَّث في بلدنا عن الحرب. لا ينبغي لأحد أن يتمنى الحرب أو المواجهة مع العدو، لأن الحرب تجلب الخراب وتخلّف تبعات جسيمة على الشعوب؛ فهي تتسبب في خسائر بشرية ومادية، وتلحق أضرارًا بالبنى التحتية.
وأضاف: إن منع وقوع الحرب بيد المسؤولين، وعليهم أن يُحسنوا التدبير لتجنّبها.
وطالب خطيب أهل السنة بـ«الإفراج عن السجناء السياسيين ومعتقلي الاحتجاجات الأخيرة»، وقال: في الظروف الراهنة من المناسب إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، وكذلك الذين اعتُقلوا خلال الاحتجاجات الأخيرة، دون قيدٍ أو شرط.
وأضاف: هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات قد تكون مؤثرة في هذه الظروف.
العقلاء والمثقفون لا يسيئون إلى مقدسات الآخرين
في جزءٍ آخر من كلمته، ردًّا على نشر بعض المواد التي تفيد بوجود نية للإساءة إلى القرآن الكريم، قال فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن بعض الأشخاص الذين يعانون من مشكلات وآلام يطلقون الشتائم، وأحيانًا يسيئون إلى مقدسات الأديان والمذاهب، في حين أن هذا الأسلوب مخالف للعقل والمنطق. فالإنسان العاقل المثقف المتحضّر لا يسيء إلى الآخرين ولا إلى مقدساتهم، والذين يسيئون إلى مقدسات الشعوب أناسٌ عاطفيون خِفافُ العقول.
وأضاف: إن الإهانة لمقدسات أمة لا تختلف عن الإهانة لتلك الأمة نفسها. قد تتحمّل الأمة الإساءة إلى ذاتها، لكنها لا تتحمّل أبدًا الإساءة إلى مقدساتها. فالإساءة إلى المقدسات أشدّ وقعًا في جرح المشاعر. ولا تجوز الإساءة إلى مقدسات الشعوب في أي دين. لذلك أوصي بمنع الذين يقدمون على إهانة المقدسات. وإذا كان شخصٌ ما قد ارتكب ظلمًا في مكانٍ ما، فلماذا تهان المقدسات؟!
يسّروا أمور الزواج
وفي قسمٍ آخر من خطبته، شدّد خطيب أهل السنة في زاهدان على ضرورة «التيسير في أمور الزواج»، مخاطبًا الشعب: في ظل الظروف الاقتصادية الحالية حيث ارتفعت أسعار الذهب كثيرًا وأصبحت كل الأشياء غالية، لا يملك أحد القدرة على شراء الذهب أو تحمّل تكاليف استئجار القاعات واستضافة أعداد كبيرة من الضيوف. لذلك لا تؤخّروا الزواج بسبب هذه الأمور.
كما أكّد فضيلته على ضرورة «تخفيض المهور»، وتابع قائلا: إن كانت المهور في السابق تحدَّد بعددٍ كبير من العملات الذهبية، فإن سعرها اليوم مرتفع، وينبغي تجنّب تحديد مهور كبيرة. يسّروا الزواج حتى يتمكن الشباب والفتيات من تأسيس حياة مشتركة بتكاليف قليلة، ويحفظوا إيمانهم وتديّنهم.
اهتمّوا بدار العلوم زاهدان
وفي ختام كلمته خلال خطبة الجمعة، دعا فضيلة الشيخ عبد الحميد عموم الشعب إلى دعم دار العلوم زاهدان، وقال: إن دار العلوم زاهدان من أكبر المراكز التعليمية في البلاد، وقد شهدت تقدّمًا وازدهارًا ببركة دعاء العلامة عبد العزيز رحمه الله، وبجهودكم وتعاونكم، وهي تواصل نشاطها التعليمي في قسمي البنين والبنات.
وأضاف: في هذه الظروف الاقتصادية الحساسة، أطلب منكم الاهتمام بدار العلوم زاهدان، وكذلك رعاية الفقراء والمساكين وسائر المدارس، وتخصيص جزء مهم من زكاتكم وصدقاتكم لدار العلوم زاهدان.
الصوم يُقوّي البُعد الروحي في الإنسان
أكّد فضيلة الشيخ عبد الحميد، في الجزء الأول من كلمته خلال خطبة الجمعة، أن الإنسان مكوَّن من بُعدين: «حيواني» و«ملَكي (روحي)»، مشيرًا إلى دور الالتزام بالأحكام والفرائض الإلهية، ومنها «الصوم»، في تقوية البعد الروحي للإنسان.
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد بعد تلاوة الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، قائلا: إن الله تعالى خلق الإنسان مخلوقًا متميّزًا يتكوّن من بُعدين: مادي وروحي؛ فهو يشبه الحيوانات من جهة، والملائكة من جهة أخرى، وله صلة بعالم الدنيا وعالم الملكوت معًا. ولذلك تختلف حاجات الإنسان عن سائر الحيوانات التي تقتصر حاجاتها على الجانب المادي. فالحيوانات تسعى للأكل والشرب والراحة وتلبية حاجاتها الجسدية فقط، أما الإنسان فإلى جانب حاجاته المادية له حاجات روحية كذلك.
وأضاف: كما أن الله تعالى وفّر للإنسان جميع متطلباته المادية وهيأ له أحسن المساكن والنعم، ونظّم له شؤون الزواج والذرية وسائر شؤونه الدنيوية، فقد شرع له أيضًا عبادات وأعمالًا تُشبع حاجاته الروحية وتقوّي جانبه الروحي والملَكي.
الصلاة والزكاة والصوم وسائر العبادات تلبي الحاجات الروحية للإنسان
وأشار خطيب أهل السنة في زاهدان إلى بعض الأعمال التي تُسهم في تقوية البعد الروحي، فقال: من الحاجات الروحية للإنسان «الصلاة»، فهي مناجاة لله تعالى، والإنسان بحاجة إلى الوقوف بين يدي ربه والتضرع إليه. كما يحتاج إلى إخراج الزكاة والصدقات لينال عبادة الله بماله ونفسه. فالإنفاق في سبيل الله ورعاية الفقراء والمحتاجين عبادة تُطهّر الإنسان من الرذائل الأخلاقية.
وأكد أن الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر العبادات لها أثر عظيم في بناء الفرد والمجتمع، ولها منافع مادية وروحية. فالمجتمع لا يبلغ الكمال ولا يترقى إلا بأداء هذه العبادات، وعندها ينال الإنسان النجاة في الدنيا والآخرة ويصل إلى السكينة والسعادة.
الصوم عبادة فريدة في تحقيق التقوى وإحداث التطور في الحياة
وبيّن فضيلة الشيخ عبد الحميد أن عبادة الصوم ذات أهمية كبرى في تقوية البعد الروحي، وقال: الإنسان بحاجة إلى الصوم، فهو عبادة فريدة في تزكية النفس وتربيتها، يُحدث تطورا في حياة الإنسان ويقوده إلى «التقوى» التي هي أعظم حاجاته، فالصوم يزرع التقوى في القلب.
وأضاف أن الله تعالى يحب المتقين ويقرّبهم منه، وأقرب الناس إلى الله ورسوله ﷺ ليس من كان من نسل معين أو نسب خاص، بل الأقرب هو الأتقى. ورسول الله ﷺ هو إمام المتقين. ومن هنا فإن الصوم، لما يُحدثه من تغيير وتقوى، عبادة بالغة الأهمية.
القرآن كلام الله ومعجزة وأعظم ثروة للبشرية
وتحدث خطيب الجمعة في زاهدان عن العلاقة بين «القرآن» و«رمضان»، فقال: رمضان شهر نزول القرآن. والقرآن كلام الله ومعجزة وأعظم ثروة للبشر. فالكتب السابقة كانت كلام الله لكنها لم تكن معجزة، وقد طالها التحريف، أما القرآن فهو كلام الله ومعجزة في آنٍ واحد، ولا يستطيع أحد تحريفه أو تغييره. وهناك آلاف من البنين والبنات يحفظونه عن ظهر قلب، وهذه ميزة فريدة له، ولا يوجد في العالم كتاب يضاهي عظمة ما فيه.
وأضاف أن من دلائل حقانية القرآن أنه لو اجتمع الإنس والجن جميعًا لما استطاعوا أن يأتوا بسورة من مثله، فإعجازه بذاته دليل صدقه.
رمضان شهر الخير والبركة؛ أدّوا الزكاة وراعوا المحتاجين
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: رمضان شهر الخير والبركة، فأكثروا فيه من الصدقات وأدّوا زكاة أموالكم. احسبوا قيمة بضائعكم وأخرجوا زكاتها، ولا تدعوا أموالكم تتلوث بالحرام؛ فإن منع الزكاة يُعرّض المال للهلاك. كما أكدت تعاليم الإسلام على رعاية الفقراء والمحتاجين في جميع الشهور، وخاصة في شهر رمضان المبارك.
أكثروا من الدعاء والعبادة في رمضان واجتنبوا الذنوب
وشدّد فضيلة الشيخ عبد الحميد على الإكثار من العبادة والدعاء والابتعاد عن المعاصي في رمضان، فقال: أكثروا من الدعاء والاستغفار والذكر وسائر العبادات، فكل عبادة يكثر فيها ذكر الله يزداد أجرها. اقرأوا القرآن وشاركوا في حلقاته، واحرصوا على حضور صلاة التراويح التي يُختم فيها القرآن. صوموا نهاركم واستمعوا للقرآن ليلًا، ففي ذلك أجر عظيم.
وأضاف أنه رُوي عن رسول الله ﷺ أن ثلاثة أمور تكفّر الذنوب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا، ومن قام ليلة القدر بالعبادة، غُفرت له ذنوبه.
وأكد في الختام أن هذه الأيام أيام دعاء وتضرع، فليُكثر المسلمون من الدعاء، وليجتنبوا الذنوب، خصوصًا الغيبة والكذب. وقد ورد في الحديث أن من صام ولم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في صيامه.