أعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (3 شعبان 1447) عن بالغ أسفه للأعداد المرتفعة من القتلى في الاحتجاجات الأخيرة، مقدما تعازيه ومواساته لأسر الضحايا في جميع أنحاء البلاد، وأكد فضيلته أن هذا الحجم من الخسائر البشرية قد أصاب الشعب الإيراني والرأي العام العالمي بـ«الدهشة والذهول».
الشعب الإيراني عبّر في الاحتجاجات الأخيرة عن مشكلاته
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: في الآونة الأخيرة، ومع الارتفاع الكبير في سعر الدولار والانخفاض الحادّ في قيمة العملة، وغلاء المعيشة الفاحش وغير المنضبط، واجهت التجارة والأعمال، وحياة الشعب تحديات جسيمة، فتشكّلت احتجاجات شعبية.
وأضاف: إنّ الشعب الإيراني يعاني منذ زمن طويل من مشكلات اقتصادية ومعيشية، ويربط هذه المشكلات بالسياسات وإدارة البلاد؛ ولذلك اتسعت رقعة الاحتجاجات، ووجّهوا اعتراضاتهم إلى المسؤولين، ورفعوا أصواتهم مطالبين بحلول لمشكلاتهم.
في الاحتجاجات الأخيرة قُتل آلاف النساء والرجال والأطفال واليافعين
وقال خطيب أهل السنة: للأسف، شهدت هذه الاحتجاجات أحداثا مؤلمة، ووقعت أمور لا ينبغي أن تحدث. ففي مختلف دول العالم توجد احتجاجات، وقد تنزلق أحيانا إلى العنف أو الاضطرابات، إلا أن القوانين والمعايير الدولية تحدد أساليب للتعامل مع هذه الحالات أو تفريق المتظاهرين، مثل استخدام الرصاص المطاطي، أو مركبات رش المياه، أو الغاز المسيل للدموع، وهي وسائل متعارف عليها عالميا، وغالبا ما تكون أعداد القتلى في مثل هذه الحالات محدودة وقليلة.
وأضاف: حتى في مواجهة من يُعدّون مهدِّدين للنظام، تُستخدم في دول العالم أساليب متعارفة كالتوقيف وغيرها، أما قتل المواطنين والاعتداء عليهم فهو أمر تتجنبه دول العالم، ومع الأسف، شهدنا في بلدنا خلال أحداث الأعوام الماضية أيضا خسائر بشرية، لكن في الأحداث الأخيرة قُتل آلاف المواطنين من نساء ورجال وأطفال ويافعين، وهو أمر لا يُتصوّر، وقد أصاب الشعب الإيراني والعالم أجمع بالدهشة والذهول، وفي مثل هذه الظروف، حيث يعيش الشعب حالة حداد وصدمة، ينبغي على جميع المفكرين وأهل الرأي أن يتقدموا ويتكلموا ويبحثوا عن حلول.
ضحايا الحراك الأخير ليسوا «أجانب»؛ إنهم «الشعب الإيراني»
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن الذين قُتلوا في الحراك الأخير هم من أبناء الشعب الإيراني، وليسوا أجانب ولا تابعين للخارج. قد تدعمهم جهات خارجية لمصالحها، لكن الحقيقة أنهم مواطنون إيرانيون يعانون منذ سنوات من المشكلات ويحتجون عليها.
لا يجوز لأي حكومة أن تتعامل مع شعبها بالعنف
وأضاف خطيب أهل السنة في زاهدان: لا ينبغي لأي حكومة في العالم أن تواجه شعبها بالعنف أو تقتل أبناءها، بل إن واجب الحكومات هو الاستماع إلى مطالب الشعب ومعالجة مشكلاتهم، والمعروف عالميًا أنه عندما يعبر المواطنون عن سخطهم ويحتجون، تجلس الحكومات معهم وتستمع إلى مطالبهم وتسعى لتحقيقها، وقد تُجري تغييرات على سياساتها، وقد يستقيل العديد من المسؤولين عند الحاجة، ويبذلون كل جهد ممكن لكسب رضا المواطنين، لكن للأسف لم يحدث ذلك في بلدنا.
واستطرد قائلا: إن الناصحين والمخلصين حذّروا منذ زمن طويل من أوضاع البلاد، وقد حذّرتُ مرارًا بدافع الحرص وقلت: إن البلاد تواجه مأزقا اقتصاديًا وسياسيًا كاملًا. وقال بعض المسؤولين: إنكم تُثيرون الإحباط في الشعب، فقلت: لا أريد إحباط أحد، بل أقول الحقيقة، وأطالب المسؤولين وصنّاع القرار أن يتحركوا سريعًا لإيجاد حلول جادة للاقتصاد المرتبط بالسياسة، وأن يُحدثوا تغييرات في السياسات، لكن للأسف لم يُلتفت إلى هذه التحذيرات.
وأضاف: إن الأحداث والخسائر المؤلمة التي وقعت في السنوات الأخيرة أدّت إلى نفور الناس من الدين، ولها تبعات ثقيلة حتى على المذهب الحاكم نفسه. كما أن ما يشاهده العالم من هذه الوقائع يترك أثرًا سلبيًا على صورة المسؤولين الإيرانيين في نظر الرأي العام العالمي.
النبي ﷺ والصحابة تعاملوا مع المخالفين بـ«حكمة ورحمة»
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى نماذج من «تعامل النبي الكريم ﷺ والصحابة بحكمة ورحمة مع المنافقين والمخالفين»، و تابع قائلا: في صدر الإسلام كان المنافقون يتجسسون لمصلحة أعداء المسلمين وينقلون إليهم الأخبار، وطُلب من النبي ﷺ أن يقتل هؤلاء المنافقين، مع أن عددهم لم يكن كبيرًا، لكنه ﷺ رفض وقال: لو فعلتُ ذلك لقال الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه، ولما وثق بي العالم. وكذلك عندما توفي عبد الله بن أُبيّ بن سلول، زعيم المنافقين، طلب ابنه -وكان من الصحابة المخلصين- من النبي ﷺ أن يُلبسه ثوبه المبارك رجاء أن يُخفف عنه عذاب القبر، ففعل النبي ﷺ وصلّى عليه، وكان لهذا التصرف الحكيم الرحيم أثر كبير، إذ تاب كثير من المنافقين وانضموا إلى صفوف المسلمين الصادقين.
وأضاف: وفي عهد خلافة عثمان رضي الله عنه، حين سيطر بعض المتمردين والمثيرين للفتنة على المسجد النبوي وحاصروا بيت الخليفة، قال الصحابة: إن أذن الخليفة قضينا عليهم في يوم واحد، لكن عثمان رضي الله عنه رفض وقال: لا أرضى أن تُراق الدماء في مدينة رسول الله ﷺ وتقوم الفتنة. ومع كونه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، أبى أن تسفك دم أحد، وأعلن استعداده للجلوس مع المعارضين والاستماع إلى مطالبهم، لكنهم هاجموا داره واستشهدوه وهو يتلو القرآن.
يجب الإفراج عن «آلاف المعتقلين في الاحتجاجات الأخيرة» و«السجناء السياسيين»
وشدد فضيلة الشيخ عبد الحميد مجددا على ضرورة الإفراج عن المعتقلين والسجناء السياسيين، وقال: أؤكد، وهذا مطلب جميع الشعب، ضرورة الإفراج عن آلاف الأشخاص الذين اعتقلوا في الاحتجاجات الأخيرة، كما أكرر المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين، والاستماع إلى مطالبهم.
قطع الإنترنت ألحق ضررًا بالغًا بأعمال الناس؛ على المسؤولين إعادة الإنترنت فورًا
وطالب فضيلة الشيخ عبد الحميد بإعادة ربط الإنترنت العالمي في البلاد، وقال: منذ أسبوعين والإنترنت مقطوع، وقد ألحق هذا الانقطاع ضررا بالغا بتجارة وأعمال عامة الشعب. وبحسب الخبراء، يتسبب قطع الإنترنت بخسائر يومية تتجاوز ثلاثة آلاف مليار تومان للاقتصاد وأعمال المواطنين.
وأكد أن قطع الإنترنت يسبب أضرارا جسيمة وغير قابلة للتعويض للبلاد والشعب، داعيا المسؤولين إلى إعادة الإنترنت فورا.
ليكن توكّلنا ورجوعنا جميعًا إلى الله تعالى
وفي ختام كلمته، قال خطيب أهل السنة في زاهدان: نرجو من الله تعالى أن يحلّ المشكلات، وليكن توكّلنا ورجوعنا جميعًا إلى الله تعالى. ونسأل الله أن يرفع درجات جميع الإيرانيين الذين قُتلوا في هذه الأحداث، وأن يمنح ذويهم الأجر والصبر، ويمنّ على الجرحى بالشفاء التام، وأن يحلّ جميع مشكلات البلاد.