أدان فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (26 رجب 1447)، مقتل الآلاف من المتظاهرين في الاحتجاجات الأخيرة، معربا عن تعازيه لأسر الضحايا، قائلا: إننا، وأهالي سيستان وبلوشستان، وشعب إيران أجمع، نشارك أسر الضحايا أحزانهم وآلامهم، ونعزيهم في هذا المصاب الجلل.
الشعب الإيراني صوّت للجمهورية الإسلامية أملاً في “حلّ المشاكل” و”القضاء على التمييز وعدم المساواة”
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد في مستهلّ خطبته: إن الشعب الإيراني بعد انتصار الثورة عام 1979 صوّت بأغلبية ساحقة لـ«الجمهورية الإسلامية» كنظام حكم، أملاً في حلّ مشاكل دينهم ودنياهم، وفي تنظيم السياسات بما يُحسّن دنياهم وآخرتهم. وكان الشعب الإيراني آنذاك، مستذكرًا عهد رسول الله ﷺ وصحابته وأهل بيته، يتطلع إلى القضاء على التمييز وعدم المساواة بين الجماعات العرقية والطوائف والأديان، وبين جميع أبناء الشعب الإيراني، رجالاً ونساءً، وأن تسود المساواة والأخوة في المجتمع، وأن تُحلّ المشاكل والهموم التي كانت قائمة في الماضي.
وأضاف: لكن للأسف، وخلال هذه السنوات، جرى العمل بالانتقائية في كثير من القضايا، وظهرت مشكلات عديدة. ومنذ مدة، أصبح قطاع واسع من الشعب الإيراني يحتجّ على القضايا السياسية والاقتصادية وغيرها. وقد عبّر الشعب الإيراني عن مطالبه أيضاً في احتجاجات عامي 2019 و2022.
الشعب الإيراني غير راضٍ عن السياسات الداخلية والخارجية والأوضاع الاقتصادية والمعيشية
وقال خطيب الجمعة في زاهدان: لقد تحلى الشعب الإيراني، وهو من أرقى شعوب العالم، بالصبر والأناة خلال هذه الفترة، إلا أنه منذ فترة، تزايدت شكاوى الشعب بسبب الفقر والمشكلات الاقتصادية. لقد وجّهت العقوبات الطويلة الأمد، إلى جانب سوء الاستغلال والفساد المالي، ضربةً قاسيةً لاقتصاد البلاد، وللأسف لم يُفكَّر خلال هذه المدة الطويلة في حلّ جاد لرفع العقوبات، مما أدى إلى ضغوط هائلة على حياة الشعب، والآن يشعر الشعب الإيراني بعدم الرضا عن السياسات الداخلية والخارجية، وعن الوضع الاقتصادي والمعيشي.
كان ينبغي على المسؤولين الجلوس للحوار مع الشعب
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن أفضل سياسة كانت أن يجلس المسؤولون مع الشعب ويتحاوروا معه في القضايا السياسية والاقتصادية. وقد قيل هذا مراراً، ويُقرّ به اليوم كثير من الخبراء، وهو أن الاقتصاد مرتبط بالسياسة، وإذا أُصلحت السياسات وتغيّرت، فإن المشكلات الاقتصادية ستُحل تلقائياً دون الحاجة إلى أي خبير اقتصادي.
وتابع: لطالما قلنا إنه ينبغي عليكم تغيير سياساتكم الداخلية والخارجية حتى يقف الشعب إلى جانبكم. وكل هذه الكلمات قيلت بدافع النصح والإخلاص، لا لغرض آخر. وأنا قلت مراراً، ويعلم ذلك الشعب والمسؤولون، أنني لا أطلب منصباً ولا موقعاً ولا سلطة.
لا ينبغي للحاكم أن يكون قاسيًا، بل متواضعاً أمام الشعب ويستمع إليه
وشدد فضيلة الشيخ عبد الحميد على “تواضع الحاكم أمام الشعب” وقال: إن تواضع الحاكم أمام الشعب أمر من الله تعالى. فقد قال الله تعالى مخاطباً رسولَه ﷺ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. في هذه الآية يأمر اللهُ نبيَّه ﷺ، بوصفه حاكماً، أن يكون إلى جانب الناس وأن يستمع إلى كلامهم.
وأضاف: كان بعض المنافقين في المدينة يقولون استهزاءً إن رسول الله ﷺ «أُذُن»، أي يسمع لكل أحد حتى الكاذبين: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾، فردّ الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾. إن هذه الصفة في النبي ﷺ كانت خيراً لكم. فالنبي لم يكن سيّئ الخلق ولا فظّاً، ولو كان كذلك لانفضّ الناس من حوله. فإذا كان الحاكم حقاً على نهج وسنّة رسول الله ﷺ، فعليه أن يكون مستمعاً للناس، لا فظّاً ولا قاسياً.
قال الحسن: لا أريد أن أُريق الدماء من أجل بقاء حكمي
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان: عندما ننسب أنفسنا إلى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ينبغي أن نرى أنه قال: لولا إقامة العدل لما كانت لهذا الحكم عندي قيمة. لم يكن سيدنا علي طالباً للدنيا، بل كان إلى جانب الناس. كما أن الحسن رضي الله عنه، الذي كان يحكم أوسع رقعة في تاريخ الدولة الإسلامية، وكان متفوقاً عسكرياً، اختار الصلح مع معاوية رضي الله عنه وقال: لا أريد أن أُريق دماء المسلمين. لقد قال سيدنا الحسن رضي الله عنه: لا أريد إراقة الدماء من أجل بقاء حكمي.
في الاحتجاجات الأخيرة كان الأجدر الاستماع إلى صوت الشعب
وواصل إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان حديثه مشيرًا إلى الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في البلاد، قائلًا: الشعب الإيراني هو صاحب هذا الوطن ووليّ نعمتنا جميعاً، والمسؤولون وصلوا إلى مناصبهم مباشرة أو بالواسطة بأصوات هذا الشعب، ولذلك كان يجب إرضاء الشعب والاستماع إلى صوته، لكن للأسف لم يُصغَ إلى كلام الناس.
وتابع: في الانتفاضة الأخيرة، عندما خرج الناس إلى الشوارع واحتجّوا، كان أنسب وأفضل أسلوب هو الاستماع إلى مطالبهم، والتفكير في إحداث تغييرات يطالب بها عموم الشعب الإيراني. إن تحقيق رغبات الشعب بأكمله في طريق رضا الله تعالى. نحن جميعاً إيرانيون، ويجب أن نتحلى بالرحمة تجاه بعضنا البعض أكثر من غيرنا.
وأردف قائلا: في هذه الأحداث، أي خسارة بشرية تلحق بنا، إنما يتكبدها الشعب الإيراني نفسه؛ فإن قُتلنا فنحن إيرانيون، وإن قتلنا فنحن أيضاً إيرانيون. الإيرانيون شعب رشيد، ويجب أن يرحم بعضهم بعضاً. وعلى من هم في السلطة أن يكونوا أكثر الناس تسامحًا ومبادرةً للاستماع إلى صوت الشعب وتحقيق مطالبه. فإذا تحقق رضا الشعب، فلا مجال للطعن.
قُتل آلاف الأشخاص في الاحتجاجات الأخيرة؛ ونحن نشارك عائلات الضحايا أحزانهم
وأعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن أسفه للخسائر في الأرواح التي وقعت في الاحتجاجات الأخيرة، وقال: في هذه الاحتجاجات، ولا سيما في ليلتي الجمعة والسبت من الأسبوع الماضي، قُتل آلاف المواطنين والمتظاهرين. نحن ندين بشدة هذه المجزرة، ونعرب عن خالص تعازينا ومواساتنا لكل عائلة فقدت أبناءها وأحباءها في هذه الاحتجاجات، ونسأل الله الشفاء العاجل والكامل لجميع الجرحى.
وأضاف: الشعب الإيراني أسرةٌ واحدة، وجميع أبناء إيران في هذا المصاب في حالة حداد. ونحن وأهالي هذه المحافظة والبلاد نعتبر أنفسنا شركاء في حزن العائلات التي فقدت أبناءها في طهران وسائر مدن البلاد.
أطلقوا سراح المعتقلين في الاحتجاجات الأخيرة والسجناء السياسيين
كما دعا إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان إلى “إطلاق سراح المعتقلين”، قائلاً: أنصح بالإفراج عن المعتقلين في الانتفاضة الأخيرة، ليكون هذا الإفراج عزاءً لعائلات الضحايا وللشعب الإيراني بأسره. أكرر، أطلقوا سراح السجناء السياسيين واستمعوا إلى كلامهم.
انتزاع الاعترافات بالقوة مخالف للدين والصدق / “التقارير الكاذبة” تزيد الأمور تعقيداً
وانتقد فضيلة الشيخ عبد الحميد بشدة انتزاع الاعترافات بالإكراه، وقال: إجبار الناس على الاعتراف أو التوقيع على أمور لم يرتكبوها أصلاً، مخالف للدين والصدق، والإسلام لا يقبل هذا الأسلوب.
وأضاف: للأسف، خلال احتجاجات مهسا (2022)، وبعد الجمعة الدامية في زاهدان، ادّعى بعض المسؤولين أن جماعات انفصالية هي التي قتلت الناس، ولكن بفضل صبر الشعب، وحفاظه على الأمن، ودفاعه عن الحق، اتضح جليًا أن لا دور لأي جماعات أو انفصاليين في تلك الأحداث. لذا، فإن وجود الأكاذيب في التقارير وإخفاء الحقائق يزيد الأمور تعقيدًا ويزيد من حدة العداء.
الاحتجاج السلمي حقٌّ مشروع للشعب
وفي ختام خطبته، جدّد فضيلة الشيخ عبد الحميد التأكيد على أن «الاحتجاج السلمي» حقٌّ قانوني للشعب، وقال: لقد قلت مراراً إن الاحتجاج السلمي حقٌّ للشعب، لكن ينبغي ألا يُجرّ إلى العنف؛ فلا يجوز لأحد حرق متجر، أو كسر نافذة، أو الاعتداء على أي شخص، بل يجب التعبير عن الرأي وعرض المطالب، وعلى المسؤولين أن يستمعوا إليها ويستجيبوا لها.