أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة بمدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (19 رجب 1447)، إلى «الحراك الأخير للشعب الإيراني» والاحتجاجات الشعبية في مختلف مدن البلاد، مؤكدًا أن هدف الشعب من هذه الاحتجاجات هو “إحداث تغييرات جذرية”.
تم التحذير مرارًا من «الفساد الممنهج» لكن لم يُصغَ إلى التحذيرات
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: الجميع على دراية بالوضع الراهن في البلاد، ويعرفون الظروف التي يعيشها الشعب. جيوب الناس فارغة، والمشاكل الاقتصادية بلغت حداً بات فيه جزء كبير من أبناء وطننا الأعزاء بحاجة إلى الخبز لسدّ جوعهم ليلاً ونهاراً، في حين أن إيران من أغنى دول العالم.
وأضاف: لقد حُذِّر مرارًا في السابق من أن البلاد تسير نحو فساد مالي ممنهج، وهذا أمر خطير، وسيأتي يوم يوقع البلاد في طريق مسدود، لكن هذه التحذيرات لم تُؤخذ بعين الاعتبار. فقد نُهبت الموارد الوطنية، ونُقلت رؤوس أموال ضخمة، واستولى بعض الأفراد عليها ثم فرّوا، ما أدى إلى انهيار بنوك تاريخية وصناديق مالية ومؤسسات قروض حسنة ودخولها في الإفلاس.
في الاحتجاجات السابقة لم يُسمَع صوت الناس، وكان يمكن للمسؤولين إصلاح الأمور بأدنى تغييرات
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان: شعر الشعب الإيراني أن البلاد تتجه نحو طريق مسدود، فصرخوا منددين بهذه القضية ومنتقدين الوضع. وأنا أيضًا شعرت بالمسؤولية، ومنذ مدة طويلة وأنا أوجّه من هذا المنبر نقدًا بنّاءً وأحذّر من أن البلاد ستصل إلى طريق مسدود إذا لم تتغير السياسات، لكن للأسف لم يُؤخذ بهذه الكلمات، بل اعتبرها البعض إزعاجًا، في حين أن كثيرين كانوا يرون هذه التصريحات التي كانت تُنشر وتُحلَّل على مستوى البلاد، نابعة من الحرص والصدق، وهو ما كانت عليه بالفعل، إذ لم تكن بدافع سوء النية. ليت المسؤولين قبلوا بهذه النصائح. لقد قلنا إن البلاد بحاجة إلى تغيير، وكان بإمكان المسؤولين، بأقل قدر من التغييرات، أن يُصلحوا الأمور.
وأشار إلى أن الشعب الإيراني خرج إلى الساحة مرات عديدة، قائلا: ففي عام 2019، خرج الشعب الإيراني إلى الشوارع وتظاهر، وتكبد خسائر فادحة، لكن لم يُسمع صوت الشعب. وفي عام 2022، مع قضية “مهسا أميني” وكذلك حادثة «الجمعة الدامية» في زاهدان، خرج الناس مجددًا وطالبوا بالتغيير، لكن لم يُصغَ إليهم أيضًا، فآلت البلاد إلى طريق مسدود.
الشعب الإيراني في الاحتجاجات الحالية يُظهر «عزمًا وطنيًا» ويطالب «بالتغيير» بصوت واحد
وفي إشارة إلى “انتفاضة” الشعب الإيراني الأخيرة، قال فضيلة الشيخ عبد الحميد: يشعر جميع الإيرانيين أن البلاد وصلت إلى طريق مسدود، وأن الوضع بلغ حدًا يُهدد الشعب الإيراني بالموت جوعًا في المستقبل. وترتبط هذه الانتفاضة الشعبية الأخيرة، التي بدأت قبل نحو اثني عشر يومًا، بهذه القضية.
وأكد: هذه المرة خرج الشعب الإيراني إلى الساحة بهدف إحداث تغييرات كبرى، لأنه يشعر أنه لا سبيل للخروج من الأزمة إلا عبر تغييرات جذرية. وقد شاهد الجميع ليلة أمس المشهد الذي صنعه الإيرانيون من نساء ورجال، كبارًا وصغارًا، ومن مختلف الفئات والأطياف والأعراق والمذاهب والأديان، في مختلف المدن، رغم شدة البرد. لقد أظهر الشعب الإيراني وحدته في الأيام الأخيرة، والجميع يطالب بصوت واحد بالتغيير.
وأضاف: قرر الإيرانيون، بالوحدة والتكاتف، الخروج من أجل إعمار بلدهم واستعادة عزتهم وكرامتهم وعظمة الشعب.
وأكد: إن الشعب الإيراني أظهر في هذه الاحتجاجات عزمًا وطنيًا، وهذا العزم يدل على أن إرادة الله تعالى أيضًا على هذا الأمر؛ إذ لا يمكن أن تجتمع الأمة كلها على خطأ. ثقوا أن إرادة الله كذلك، لأنه قرّب قلوب الناس من مختلف الأطياف وجعلهم متعاطفين، وهذا دليل على أن هذا الشعب لن يتراجع عن مطالبه.
الحراك الشعبي يهدف إلى «قطع الأيادي الداخلية والخارجية عن المصالح الوطنية» وإقامة «علاقات حسنة مع العالم»
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن الحراك الشعبي يهدف إلى إعادة جميع المصالح والثروات الوطنية إلى الشعب الإيراني نفسه، وقطع الأيادي القوية التي امتدت إلى المصالح الوطنية ونهبت النفط وسائر الثروات الوطنية ودمّرتها. كما يريد الشعب قطع الأيادي الخارجية التي تمتد إلى موارد البلاد وتستفيد منها، لأن هذه الثروات حقٌّ شرعي وقانوني وعرفي للشعب الإيراني الجائع.
وأضاف: إن إرادة الشعب الإيراني هي أن تكون لبلاده علاقات حسنة مع جميع دول العالم، وأن تتحول إيران، بما تمتلكه من شعب وموقع جغرافي مميز، إلى قطب اقتصادي وعلمي، وأن تكون مصدر خير لجميع الأمم، وألا يُصدَّر منها أي شرٍّ إلى الشعوب الأخرى.
الشعارات تُظهر مطالبة الناس بـ«العدالة والحرية» و«الجدارة الحقيقية»
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن قرار الشعب الإيراني هو أن يتولى الأكفاء وأصحاب القدرات إدارة شؤون البلاد، وألا يتم توزيع المناصب والمسؤوليات على أساس العلاقات أو الأحزاب أو التيارات، بل الاستفادة من طاقات جميع الرجال والنساء، ومن كل الأعراق والمذاهب والأطياف، وأن توضع الأمور في أيدي أهلها.
وأوضح: لقد أظهر الناس في شعاراتهم أنهم يطالبون بتطبيق العدالة والحريات السياسية وحرية الأحزاب والقلم والرأي والعقيدة، ويريدون إبراز القدرة العظيمة للشعب الإيراني في تحقيق العدالة والحرية والتسامح وقبول التنوع العرقي والمذهبي.
على المسؤولين الاستجابة لمطالب الشعب والخضوع لإرادته
ودعا فضيلة الشيخ عبد الحميد المسؤولين إلى الاستجابة لمطالب الشعب، وقال مخاطبًا إياهم: لقد رأيتم حراك الشعب، فعليكم أن تستجيبوا لإرادة الأمة وتخضعوا لها؛ فهذا خير وصلاح للبلاد وللشعب ولكم. لقد أظهر الشعب الإيراني إرادته عام 1979 (انتصار الثورة في إيران) وكنتم سعداء بذلك، واليوم وقد أصبحت إرادة الشعب أوضح وأقوى، فلنقبل جميعًا هذه الإرادة. نسأل الله تعالى أن يمنّ على الشعب الإيراني بمستقبل مشرق، وأن تُحل المشكلات التي يعاني منها الناس منذ زمن طويل.
«الاحتجاج السلمي» حقٌّ للناس / على المحتجين تجنب التخريب والصدام، وعلى القوات عدم الوقوف بوجه الشعب
وقال إمام وخطيب الجمعة بزاهدان: إن الاحتجاج السلمي حق قانوني للشعب، والناس يمارسون هذا الحق بالنزول إلى الشوارع. لكن على المحتجين أن يحافظوا على سلمية احتجاجهم، وألا يُقدموا على التخريب أو الاشتباك أو الإهانة والسبّ.
ووجّه فضيلته حديثه إلى عناصر الأمن والضباط، قائلًا: أنتم أبناء هذا الشعب ورأسمال البلاد، فلا تقفوا في وجه الناس. أنتم إيرانيون، ولكم مكانتكم واحترامكم لدى الشعب، فاحترموا هذه الإرادة الوطنية.
ضرورة حفظ أمن المحافظة / طرح المطالب بالوسائل المدنية والتحذير من «العناصر المندسة»
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد في ختام كلمته على ضرورة حفظ أمن محافظة سيستان وبلوشستان، وقال: هذه محافظة حدودية، ويجب الحفاظ على أمنها، وتجنب قطع الطرق وإشهار السلاح وإثارة حالة من انعدام الأمن والفوضى بشكل قاطع. ليكن أبناء المحافظة صفًا واحدًا مع سائر أبناء الشعب الإيراني، مع الحفاظ على الأمن.
وأشار فضيلته إلى ضرورة طرح المطالب بطريقة سلمية، قائلا: كما استُخدمت الطريقة السلمية حتى اليوم، فإن النجاح في المستقبل يكمن في الاستمرار على هذا النهج. فالطريق السلمي هو السبيل الأمثل.
كما حذّر، مشيرًا إلى احتجاجات السنوات الماضية في المحافظة، من «وجود عناصر مندسة تسعى لجرّ الاحتجاجات السلمية إلى العنف»، ودعا الناس إلى اليقظة والحذر في هذا الشأن.