أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة 12 رجب 1447، على المسؤولية المباشرة للحكومات في حل المشكلات المعيشية للشعب، قائلا: إن من واجبات الحكومات حسن تدبير الموارد، ومواجهة العقوبات، والحفاظ على قيمة العملة الوطنية، والإصغاء إلى صرخة الشعب، كما أن الاحتجاجات السلمية حق قانوني ومشروع للشعب.
إدارة الثروة وتوفير فرص العمل من الواجبات الأساسية للحكومة
أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد في مستهل الخطبة إلى المسؤوليات الأساسية للحكومات، فقال: إن الحكومات مسؤولة عن التخطيط والتدبير السليم لاستثمار الثروات والموارد التي أنعم الله بها لصالح الشعوب، وإن إيجاد فرص العمل ذات الدخل الكافي، والإدارة الصحيحة للتجارة بما يعود بالنفع على البلاد والعباد، تعد من الواجبات الأساسية لحكومات العالم.
وأضاف: إن تنمية الزراعة والإنتاج الحيواني والزراعي، وتوجيه الصناعة نحو الورش والإنتاج والتشغيل، والاهتمام بالعلم والمعرفة بوصفهما أساس التقدم والتنمية، كلها من المهام الجوهرية للحكومات. كما أن على الحكومات دعم تطوير الجامعات والمدارس التي تتولى تربية أبناء الشعب وإعداد الشباب للعمل والاجتهاد.
بين مسؤوليات العلماء ومسؤوليات الحكومات
وأشار خطيب أهل السنة بزاهدان إلى الفرق بين الواجبات الدينية والحكومية، قائلاً: كما أن التخطيط للهداية الروحية، وإنقاذ الناس أخلاقيًا، والحثّ على تلاوة القرآن، وبيان سبل نيل رضوان الله، هو من مسؤولية العلماء؛ فإن حلّ المشكلات المادية والمعيشية، ومحاربة الفقر والجوع، هو من مسؤولية الحكومات التي تتحمّل ـ على نحوٍ ما ـ أمانة الاستخلاف في الأرض.
وأضاف فضيلته مشيرا إلى سيرة عظماء صدر الإسلام: حين صعد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه المنبر في أول جمعة بعد توليه الخلافة، شوهدت في ثوبه ثلاث عشرة رقعة، وعند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في بيته سوى بضع جلود، وكذلك لم يترك عليّ رضي الله عنه عند وفاته مالًا ولا ثروة.
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد: ومع ذلك كانوا يخشون أن يعاني يتيم أو أرملة من الجوع، وكانوا يجتهدون ألا يبقى أحد جائعًا. لم ينتفعوا هم من الدنيا، لكنهم أرادوا أن يشبع الناس، وعمّروا دنيا الآخرين.
الثروات الهائلة لإيران وسوء إدارة الموارد
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد على الثروات الواسعة التي تمتلكها البلاد قائلاً: إن الإمكانات والثروات التي أنعم الله بها على إيران عظيمة جدًا، فجزء كبير من العالم يحتاج إلى نفط إيران وغازها، كما تمتلك البلاد معادن وأراضي خصبة وموارد مائية وبيئة طبيعية وثروات وفيرة، ولو أُحسن تدبيرها لكانت إيران في أفضل موقع للتجارة العالمية والتنمية الصناعية.
وأضاف: إن إيران التي يزيد عدد سكانها على ثمانين مليون نسمة، تقع في واحدة من أفضل المواقع الجغرافية في العالم، والكثير من دول العالم بحاجة إلى التواصل معها والاستفادة من مساراتها البحرية والبرية والجوية.
الشعب الإيراني أَولى بالانتفاع بثروات البلاد
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان مشيرًا إلى خصائص الشعب الإيراني: إن شعب إيران من أفضل شعوب العالم؛ شعب مثقف، صبور، واعٍ، يمتلك الفكر والخبرة والقدرة على الابتكار، وينتفع العالم من طاقاته.
وأكد قائلاً: ينبغي لكل بلد أن يُدار بحيث ينتفع أبناؤه أولًا من إمكاناته. فمن يتصدّق لا تُقبل صدقته عند الله إذا كان أولاده جائعين. وقبل أي أحد آخر، فإن الشعب الإيراني هو الأَولى بالانتفاع من ثروات إيران.
وتابع: إذا كان الشعب الإيراني جائعًا، فلا تُقبل مساعدات إيران وصدقاتها إلى الدول الأخرى. فإذا شبع الشعب وتوفّرت الموارد الزائدة، حينها يمكن مساعدة الآخرين.
وانتقد فضيلة الشيخ بعض التوجهات قائلاً: بينما يعاني الشعب الإيراني من مشكلات في العلاج ونقص في الأدوية، يسافر أحد الرؤساء إلى دولة أخرى ويعد ببناء مستشفيات وتقديم مساعدات واسعة. إن كانت هناك قدرة وإمكانات، فهي حقٌّ للشعب الإيراني؛ لأن ما لدى الحكومة هو من الله ثم من هذا الشعب، ونحن جميعًا أبناء هذا الشعب.
وأكد قائلا: إن تعاليم الإسلام تحكم بأن يُبدأ بالأسرة، والشعب هي أسرة البلد، ولا يمكن الوقوف بوجه الأعداء إلا بعد حلّ المشكلات الداخلية وكسب قلوب الناس.
التضخم وركود الأسواق وانهيار قيمة العملة الوطنية
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الأوضاع الاقتصادية قائلاً: إن أجواء الاحتجاج تعمّ البلاد هذه الأيام، والجميع يعلم أن التضخم وغلاء المعيشة قد تفشّيا. لقد وصلت حياة الإيرانيين إلى طريق مسدود، والأسواق تمثّل ركيزة أساسية في الاقتصاد، ولكن حين لا يكون هناك بيع وشراء، يقفز التضخم وتتغيّر الأسعار يوميًا.
وأضاف: في مثل هذه الظروف كيف يزاول التاجر عمله، وكيف يشتري المستهلك؟ إن قيمة العملة الوطنية تتراجع يومًا بعد يوم أمام العملات الأجنبية، وقد جعل هذا الوضع حياة الشعب بالغة الصعوبة.
رفع العقوبات مسؤولية لا يجوز تجاهلها
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان: إن الأولوية الأولى والثانية والثالثة للحكومة يجب أن يكون الشعب الإيراني وحلّ مشكلاته. ينبغي الحفاظ على قيمة العملة الوطنية، ومواجهة العقوبات. ومن المدهش أن يقول مسؤول: إنه لم يُطلب منه حلّ العقوبات، مع أن السعي لرفعها من الواجبات الأساسية للمسؤولين.
وأوضح: لقد مضى عشرون عامًا على فرض العقوبات، ولم يكن من المفترض أن يبقى الشعب الإيراني خاضعًا لها إلى الأبد. فحتى سنة أو سنتان من العقوبات كفيلتان بإضعاف أي بلد، ولا تستطيع أي دولة الاستمرار دون تواصل مع العالم.
العقوبات نعمة لفئة محدودة
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى أن هناك من يقول إن العقوبات نعمة، وإن الشعب الإيراني يحللون هذه الكلمة جيدًا؛ إذ تدرك فئات المجتمع المختلفة أن العقوبات تحوّلت إلى فرصة لفئة خاصة لتجميع ثروات طائلة. فقد بيع النفط ولم تعد عائداته، أو عاد جزء يسير منها، وكان أكثر المستفيدين هم أولئك الذين وصفوا العقوبات بأنها نعمة.
الحقّ القانوني في الاحتجاجات الشعبية
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد مشيرا إلى الاحتجاجات الأخيرة: إن الاحتجاجات السلمية حقٌّ قانوني للشعب، ما دامت بلا تخريب ولا إضرار. وهذا الحق معترف به في القوانين الدولية والعُرف العالمي، وكذلك في الدستور الإيراني.
وأضاف: لا يحق للمسؤولين ولا للعلماء منع المواطنين من حقهم القانوني في الاحتجاج، فالاحتجاج هو رفع الصوت بالحق. وهذه المرة أيضًا خرج تجّار طهران، وهم من أكبر دافعي الضرائب، للاحتجاج بسبب ضياع رؤوس أموالهم.
توصية للمتظاهرين ولعناصر الأمن
وخاطب فضيلة الشيخ عبد الحميد الشعب قائلاً: توصيتنا لمن يريد الاحتجاج أن يكون احتجاجه سلميًا، ونوصي عناصر الأمن بألا يعتدوا على المتظاهرين. فنحن جميعًا أبناء الشعب الإيراني، وأسرة واحدة، وعلينا أن نتعامل فيما بيننا بالمودّة والرحمة.
وأضاف: إن الجوع والفقر اليوم لا يقتصران على فئة بعينها؛ فحتى أصحاب رؤوس الأموال وقعوا في ضيق بسبب شحّ السيولة وركود السوق.
الإصغاء إلى صرخة الشعب هو الحلّ الأساسي
وفي ختام خطبته شدّد خطيب أهل السنة في زاهدان على أن على المسؤولين الإصغاء إلى صرخة الشعب، فمشكلات الشعب لا تُحلّ بسلال غذائية ولا بإجراءات مؤقتة. ينبغي أن يكون رأي الشعب وصوتهم هو المعيار، ولا يحق لأي سياسي فرض رأيه على الشعب؛ إذ يجب أن تُدار جميع الشؤون وفق إرادة الجمهور.