أكّد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (26 ربيع الأول 1447) بمدينة زاهدان على أهمية استثمار نعم الدنيا من أجل بناء الآخرة، واعتبر الأولاد من «أكبر الثروات» التي يمتلكها الإنسان، مشدداً على «الإنفاق في الخير» و«التعليم والتربية السليمة» للأولاد.
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد بعد تلاوة قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 96] إلى أن الله تعالى أنعم علينا بنعم متنوعة وكثيرة، ووهبنا فرصاً مالية وغير مالية متعددة، وأن النعم التي تُستخدم للمصالح الشخصية تزول، أما النعم التي تُصرف في سبيل الله فتظل وتبقى.
وتابع قائلا: المال الذي يُصرف على الحذاء والملبس والطعام والسكن والاستخدام الشخصي يزول، لكن المال الذي يُنفق في بناء المساجد، ودعم الطلاب، والأيتام، والمحتاجين، والفقراء، وعلاج المرضى، ومساعدة السجناء يبقى ذخراً للآخرة، ونرى جزءاً من أجره في الدنيا، لكن الأجر الكامل والثواب العظيم يكون في الآخرة.
الابن الذي يعبد الله وينفع الناس هو صدقة جارية للوالدين
وأشار خطيب أهل السنّة في زاهدان إلى أن الأبناء هم أيضاً من الثروات، فالأبناء الذين نرسلهم إلى المدارس العصرية والدينية، ونربيهم صالحين ونافعين للمجتمع، هم من الأعمال التي يبقى أجرها للوالدين.
وأضاف: عندما تفارقون الدنيا، يبقى الابن الصالح عملًا صالحًا لكم، فهو يعبد الله وينفع الناس، وهذا الثواب يعود للوالدين في القبر والآخرة.
ودعا فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الحذر من انحراف الأبناء، والحفاظ عليهم من الوقوع في القتل، والإدمان، والفساد الأخلاقي، وأن يعيشوا حياة سليمة، وأكد أن الأولاد بحاجة إلى اهتمام الوالدين، وخصوصاً الأم التي يكون حرصها وحبها مؤثراً جداً في حياة الأولاد.
أفضل المال هو الذي يُنفق على تعليم وتربية الأبناء
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: أفضل المال ما يُنفَق في الأولاد. المال الذي يُنفَق في طلب العلم وتربية الأولاد يكون كالصّدقة وله أجر وثواب، والله تعالى يعوض عليه، فإذا نَوَيْنا أنَّ الإنفاق على الأولاد واجب شرعي، وأن نأكل من رزقٍ حلالٍ ونرزق أولادنا من رزقٍ حلالٍ، ونطيع أمر الله في مال الله، فإن الله تعالى سيُجازينا بالأجر والثواب.
مبادرة الخيّرين لبناء المدارس والجامعات والمراكز الصحية «ظاهرة مباركة»
وأعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن سعادته بمبادرة عدد من الخيّرين في البلاد إلى إنشاء المدارس والجامعات، وتوفير مساكن للطلاب، وإقامة المراكز الصحية في المناطق النائية، مؤكدًا أن هذه الخطوات «ظاهرة مباركة» تستحق التقدير.
وأضاف: أحيانا يأتي بعض الناس من مناطق بعيدة إلى زاهدان للعلاج، لكنهم لا يملكون المال للإقامة في الفنادق، ولا يعرفون أحداً، فيضطرون للنوم في الحدائق، مما يجعلهم في حالة ضياع، ومن يؤجر لهم مساكن ليكون لهم مأوى ينال أجراً عظيماً.
وأضاف قائلا: إن امرأة من ألمانيا جاءت بهدف إقامة مركز للوقاية من السرطان، على أمل أن يتحول لاحقاً إلى مركز رئيسي للعلاج. كما أن كثيرين من النساء والرجال المهتمين بالخير يزورون القرى والمناطق النائية لتقييم حاجات الناس وتوفير مستلزمات الطلاب مثل الحقائب والأقلام، وهذا ما يحبه الله تعالى كثيراً أن يهتم العباد ببعضهم البعض.
وحذر فضيلة الشيخ عبد الحميد من أن بعض الأشخاص الذين منَّ الله عليهم بالمال لا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية، مشيراً إلى ضرورة استثمار هذه الأموال في عمل صالح للآخرة.
وشدد فضيلته على أن الإنفاق في سبيل الله لا ينقص المال بل يبارك الله ويزيد فيه، محذراً من البخل الذي يضر الإنسان. ودعا الجميع للصدقة بأنفسهم وتعليم أبنائهم العطاء.
ظهر تعاطف بين أبناء الشعب الإيراني
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى ظاهرة إيجابية بعد المظاهرات التي عمت البلاد قبل ثلاث سنوات والأحداث التي تلتها، وهي أنها ظهرت وحدة وتعاطف بين مختلف فئات المجتمع الإيراني، من المدن الكبرى إلى المناطق النائية والحدودية، وأكد أن هؤلاء الشعب لا يبحثون عن شهرة أو منافع مادية، بل يقدمون الخير بحب وإيثار، وهذا هو جوهر الإنسانية والإسلام الحقيقي.
اهتموا بالشعب وقدموا لهم الدعم
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد على أن الإيمان الحقيقي أن نهتم بالآخرين، وأن نشعر بمعاناة المظلومين والجوعى في العالم، وأن نحاول مساعدتهم، أو على الأقل ندعو لهم.
اهتموا بأبنائكم لئلا يقعوا في الخطأ وابعثوهم للتعليم
في قسم آخر من خطبته، تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى أهمية التعليم والعناية بالأبناء وقال: أؤكد على ضرورة إرسال أولادكم لطلب العلم، ولا تتركوهم بلا متابعة. الأبناء، بنين كانوا أو بنات، يفتقرون إلى الخبرة وقد يخطئون، ومن واجبكم أن تقوموا بدور الأبوة والأمومة معهم، فتكونوا سندًا لهم وتحسنوا رعايتهم ومتابعتهم.
وأشار فضيلته إلى تحديات الفضاء الإلكتروني، محذرا بقوله: الهواتف المحمولة اليوم في أيدي الجميع، وإن لم نكن حذرين، فسيتعرض أولادنا لزلات وأخطاء قد لا يمكن تداركها.
ووجه فضيلة الشيخ عبد الحميد نداءً للشباب للسير على الطريق الصحيح، قائلا: أنصح جميع الشباب أن يتجهوا إلى العلم والعمل الصالح. يا أيها الشباب الأعزاء! لا تجدون نعمة أعظم من الدين يمكن أن يحظى بها الإنسان، وأن الحياة مع الله والصلاة في وقتها وفي المساجد، والمشاركة في صلاة الجمعة، هي طريق الأمان.
وحذر فضيلته من تفشي الآفات الاجتماعية، فقال: للأسف، اليوم المعاصي كثيرة، وتوزع المخدرات في المدن، وتكثر الخمور وغيرها من الآفات والأضرار، فلا تجربوها ولا ترافقوا من فقدوا الأخلاق، والمجرمين والمختطفين واللصوص والقتلة.
كما أكد فضيلته أن الحلّ في “مرافقة الصالحين”، وخاطب الشباب قائلاً: جالسوا الصالحين، واحضروا الجمعيات الدعوية، وشاركوا في دروس القرآن، واذهبوا إلى المدارس والجامعات ومراكز التدريب المهني لتتعلموا العلم والعمل. هناك كثير من المهن الصحيحة، ويمكنكم من خلال المشاركة في الورش التعليمية أن تتعلموا مهنًا شريفة وتحصلوا على الرزق الحلال.
لقد نُصِبَت لكم أيها الشباب فخوخ، فاحذروا أن تقعوا فيها
وأعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن قلقه بشأن حالة الشباب قائلاً: يجتمع عدد من الشباب في الحدائق والأماكن المهجورة ويدمرون مستقبلهم. لقد وُضعت لكم أيها الشباب الفخوخ، وكثيرون يسعون إلى ضلالكم واستغلالكم، لذلك يجب أن تحذروا من أن تصيروا فريسة للأعداء وتقعوا في شهوات النفس.
وأشار إلى أن الحل هو العودة إلى طريق القرآن، وقال: الطريق الصحيح والطريق المستقيم هو طريق القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يوجد طريق أفضل من هذا.
على المسؤولين والعلماء وشيوخ القبائل أن “يتقوا الله” و”يهتموا بالشعب”
في ختام هذا الجزء من حديثه، خاطب فضيلة الشيخ عبد الحميد المسؤولين والشعب قائلاً: نصيحتي للمسؤولين والعلماء وشيوخ القبائل ولكل الشعب هي أن نتقي الله تعالى، ونلتزم التقوى، ونكون مهتمين بأحوال الناس ونشعر بمعاناتهم، ونعيش من أجل الله، ونحرص على أداء الصلوات، وندفع الزكاة من أموالنا، لكي تزدهر حياتنا الدنيا والآخرة.
الاستماع لصوت الشعب وإيقاف العقوبات ضرورة وطنية
وأشار فضيلة الشيخ عبدالحميد في قسم آخر من خطبته، إلى ذكرى الأحداث التي تلت المظاهرات الشعبية قبل ثلاث سنوات حيث قتل فيها كثير من المتظاهرين، داعيا المسؤولين إلى “الاستماع إلى صوت الشعب”.
التعاطف مع عائلات الضحايا والتأكيد على مطالب الشعب
أشار فضيلة الشيخ عبدالحميد إلى أحداث أيلول/سبتمبر 2022 قائلاً: في مثل هذه الأيام، فقد الكثير من الإيرانيين أرواحهم بسبب بعض المطالب. نحن نتعاطف مع جميع العائلات التي فقدت أعزاءها.
واعتبر فضيلته المطالب التي طرحها الشعب، بما في ذلك العدالة، ورفع التمييز، والحريات القانونية والمشروعة، وخاصة حرية القلم والتعبير، والحرية الدينية والفكر والعقيدة، ورفع الضغوط، بأنها كانت مطالب محقة ومناسبة للغاية.
وأوضح أن “الاستجابة لمطالب الشعب تعود بالنفع على البلاد والوحدة الوطنية”، وصرح فضيلته قائلاً: كان من الأفضل للجميع أن تتم الاستجابة لمطالب الشعب. فلو تم الاستماع إلى صوت الشعب، لكان ذلك في صالح البلاد والوحدة والأمن الوطني، ولخير وصلاح البلاد والشعب الإيراني، ونأمل أن يأتي الله بمستقبل خير للبلاد.
تحذير من تفاقم العقوبات وخطر الحرب
وأعرب خطيب أهل السنة في زاهدان عن قلقه من تصاعد العقوبات قائلاً: المصائب تتوجه إلى بلادنا من كل جانب؛ عقوبات واسعة النطاق وشاملة ومتزايدة تتجه نحو البلاد، وهذه العقوبات تقترب يومًا بعد يوم، والشعب لا يتحمل المزيد من العقوبات.
واعتبر الحل في “التدبير والمفاوضات” قائلاً: هذه الأوضاع تحتاج إلى تدبير وحكمة من قبل المسؤولين لوقف هذه العقوبات. يجب وقف العقوبات بالمفاوضات والحوار حتى لا تُفرض عقوبات جديدة ولا تُشن حرب أخرى على البلاد. الحرب تسبب الخسائر والدمار للبلاد. والعقوبات هي حرب أخرى، وكل هذه الحروب تتطلب إدارة قوية حتى لا تتعرض البلاد لخطر الحرب ولا يزداد الضغط على الشعب.
الاهتمام بالشعب شرط نجاح أي نظام
واعتبر فضيلة الشيخ عبدالحميد أن أفضل أسلوب للحكم هو “الاهتمام بالشعب” قائلاً: أعظم حكمة هي أن تستمع أي حكومة في العالم إلى صوت الشعب. أفضل نظام في العالم هو الذي يدعمه الشعب، والذي يهتم بالشعب، ويقف إلى جانبه، ويعالج آلامه، ويحل مشكلات الشعب. يجب أن يكون الشغل الشاغل للمسؤولين في أي بلد هو حل مشكلات الشعب. الحكومة التي تهتم بالشعب وتعالج آلامه هي حكومة شعبية في العالم.