أكّد فضيلة الشيخ عبدالحميد، إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان، في خطبة الجمعة 13 صفر 1447، أنّ تفاقم الأزمات والمشكلات المتنوعة في البلاد هو نتيجة لمعضلات دستورية وضعف في الإدارة الحكومية، وشدد على ضرورة تغيير الدستور كحلّ للخروج من هذه الأزمات.
البلاد تعاني من أزمات الفقر، وانقطاع الكهرباء والمياه، والغلاء مستشرٍ وفقدت العملة الوطنية قيمتها
وأضاف فضيلته: تواجه البلاد اليوم أزمات ومشكلات عديدة؛ منها الفقر والجوع، ومنها الانقطاعات المتكررة والطويلة للكهرباء والمياه في العديد من المدن الكبيرة والصغيرة، مما عطّل الإنتاج في المصانع وتسبب في أضرار جسيمة أخرى.
وتابع: الغلاء يأكل الأخضر واليابس، والعملة الوطنية فقدت قيمتها وتدهورت بشكل حاد. هذه الأزمات الاقتصادية وتآكل قيمة العملة ليست ظواهر وليدة اللحظة، بل هي مستمرة منذ فترة طويلة، إلا أنها تفاقمت في الآونة الأخيرة.
الشعب يرى أن جميع مشكلات البلاد ناتجة عن سوء الإدارة
وأوضح خطيب أهل السنة في زاهدان: نحن لا نرى حاليًا حلولاً لهذه المشكلات المتعددة، وإذا كانت لدى المسؤولين حلول أو رؤية واضحة لمستقبل هذا البلد، فعليهم أن يبينوها للشعب. فالشعب يرى أن هذه الأزمات برمتها تنبع من ضعف المسؤولين وسوء الإدارة في الدولة.
استمرار الإعدامات في ظل هذه الظروف الصعبة، يتنافى مع العقل والحكمة؛ أوقفوا الإعدامات وخففوا الضغوط
وواصل فضيلته: للأسف، في ظل هذه الظروف القاسية التي يعاني فيها الشعب من الفقر والأزمات الاقتصادية ومن الحرب المفروضة على البلاد، لا تزال الإعدامات تُنفذ بكثافة.
وأضاف: استمرار الإعدامات بهذا الشكل أمرٌ جلل. الشعب يعاني أصلاً من هموم كثيرة، وإذا أضيفت إليها مأساة أخرى كإعدام أعداد كبيرة من الأشخاص، بعضهم من المعروفين، فسيكون ذلك عبئاً لا يُطاق. لا يوجد بلد في العالم يتعامل مع شعبه بهذه الطريقة.
وقال: يجب على المسؤولين وصناع القرار إعادة النظر. لا يجوز تنفيذ الإعدامات في البلاد، بل يجب إيقافها. في ظل هذه الظروف العصيبة التي تتألم فيها قلوب الشعب، لا بد من تخفيف الضغوط، لا زيادتها، حتى لا تنعكس هذه الضغوط في أشكال أخرى أشد خطورة.
واستطرد: ليس من العقل ولا الحكمة ولا المروءة أن يُفرض المزيد من القسوة على إنسان مبتلى ومظلوم، بل الحكمة تقتضي أن يُحسن إليه وتُيسّر عليه أموره. على المسؤولين في هذه الأوقات أن يفتحوا أبواب الرحمة واللين بدلًا من القسوة والعنف، حتى لا تتفاقم معاناة هذا الشعب المكلوم.
السياسات السابقة وصلت إلى طريق مسدود؛ فلندخل الساحة بسياسات وآليات جديدة
واصل فضيلة الشيخ عبد الحميد تأكيده على ضرورة تغيير الدستور، موضحًا: لقد مرّ ما يقرب من نصف قرن على الثورة الإيرانية، وتجربة خمسين عامًا والأزمات المتجذرة في البلاد تشير بوضوح إلى أن الدستور لم يعد يلبي احتياجاتنا، وأنه يحمل العديد من المشكلات الجوهرية، فطالما لم يُعدّل الدستور وتُعالج مشكلاته، أعتقد أن المسؤولين لن يتمكنوا من إيجاد حلول دائمة لمشكلات البلاد، بل قد ينجحون في حل بعض المشكلات بشكل مؤقت، لكن مستقبلًا ستبرز مشكلات جديدة.
وأضاف: الدستور ليس كلامًا إلهيًا أو وحيًا سماويًا، بل هو نتاج قرار لمجلس الخبراء وصنع بشري، ورغم أن أعضاء مجلس الخبراء كانوا من العلماء والمثقفين، إلا أن البشر ليسوا معصومين من الخطأ. وقد أثبتت التجربة أن مجلس الخبراء قد ارتكب أخطاء جسيمة في صياغة الدستور، فالعديد من مواده وضعت استنادًا إلى القوانين الدولية أو اجتهادات العلماء، وفي كلتا الحالتين يبقى احتمال الخطأ قائمًا.
وتابع: السياسات السابقة لم تُجدِ نفعًا ووصلت إلى طريق مسدود، والتراجع عن هذه السياسات هو عين الحكمة. لذا، يجب علينا التخلي عن النهج القديم وتبني سياسات وآليات جديدة للمضي قدمًا، فهذا هو مقتضى الحكمة.
وأكمل فضيلته قائلاً: ولكن في مملكة الله، لا مكان لليأس، والشعب الإيراني لا ييأس من أن الله سبحانه وتعالى سيغير الأوضاع ويحل المشكلات. إن أفضل حل هو اللجوء إلى الله تعالى. نصيحتي للشعب الإيراني هي التضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تتجه كافة فئات الشعب بالدعاء والاستغفار، لعل الله يغير الأحوال ويحل المشكلات.
قرار إسرائيل باحتلال غزة بالكامل خطأ وظالم؛ الحل الأمثل تشكيل الدولة الفلسطينية المستقلة
وتطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد في جزء آخر من خطبته إلى قرار إسرائيل باحتلال غزة بالكامل، وقال: قرار إسرائيل باحتلال غزة بالكامل هو قرار خاطئ وظالم، وسيلحق الضرر بكل من أهالي غزة وإسرائيل، حيث أن المجتمع الدولي لا يوافق على هذا القرار، مما سيؤدي إلى عزلة الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف: الحل الأمثل يتمثل في الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، أسوة بما تسعى إليه العديد من الدول الإسلامية وغير الإسلامية لتوفير الاستقلال للشعب الفلسطيني لتمكينه من تقرير مصيره، وهذا هو الخيار الأفضل في الظروف الراهنة.
الاعتداء على أموال الناس ودماءهم يُلحق ضررًا بالدين والإيمان
وفي قسم آخر من خطبته، استنادًا إلى قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا* وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا” [النساء: 29-30]، حثّ فضيلة الشيخ عبد الحميد على التجارة الحلال والعمل الشريف والابتعاد عن القتل ظلماً، وتابع قائلا: يجب علينا أن نتاجر بالطرق الشرعية والمباحة، وأن نبتعد عن كسب المال بطرق محرمة وغير مشروعة. فالرشوة، والربا، والسرقة، والابتزاز، والاختلاس وما شابهها كلها محرمات يجب تجنبها.
وأضاف: علينا أن نبتعد عن المال الحرام والاعتداء على أموال الناس ودمائهم، لأن ذلك يُلحق ضررًا بديننا وإيماننا. ولا يجوز لنا أن نكسب رزقنا من طرق غير شرعية، وقد ورد في الحديث الشريف أن كل جسم يتغذى بالحرام، فهو مستحق للنار.
وتابع: بعض الأشخاص قد يتحايلون على الشيوخ أو يستغلون القوانين لأكل أموال الناس، بينما هذا المال حرام شرعًا. إذا قام شخص بالتحايل في المحكمة أو استخدم الواسطة للاستيلاء على أموال الآخرين، فإن هذا المال يصبح حرامًا عليه. فالاستيلاء على مال الناس بأي طريق كان هو أمر محرم.
وأضاف خطيب أهل السنة في زاهدان: بعض الناس في هذه الظروف الصعبة، حيث تقل فرص العمل ويعاني الجميع من الفقر، يعيدون إحياء خلافات قديمة تعود إلى أربعين أو خمسين سنة، مطالبين بحقوقهم. يجب على العلماء وشيوخ القبائل ألا يستمعوا إلى مثل هذه الخلافات، لأنها تزيد المشكلات تعقيدًا. العلماء والفقهاء في الماضي لم يلتفتوا إلى مثل هذه الخلافات القديمة، وقالوا إنها تسبب الفتن. بالطبع، إذا تذكر أحد حقه القديم وتم منحه، فلا بأس في ذلك، لكن لا ينبغي نقل هذه الخلافات إلى المحاكم أو إلى الشيوخ أو إلى أماكن أخرى.
القتل بغير الحق جريمة عظيمة
وواصل فضيلة الشيخ عبد الحميد حديثه عن القتل بغير الحق، قائلاً: قال الله تعالى بوضوح: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”، أي لا يقتل بعضكم بعضًا، لأن الله رحيم بكم. ولكن عندما تقسون على بعضكم البعض وترتكبون القتل، تصبحون مستحقين للعنة الله وعذاب النار.
وأضاف: القتل غير المشروع وبغير الحق هو خطيئة وجريمة عظيمة، ولكن للأسف هذه الجريمة قد تفشت في المجتمع مؤخرًا. العديد من الشباب، عند وقوع أي حادث بسيط، يُشهرون السكاكين أو الأسلحة ويهاجمون الطرف الآخر ويقتلونه؛ ويُعَدّ هذا القتل «قتلًا عمدًا» وتترتّب عليه «عقوبة القصاص»، حتى وإن ادّعى القاتل أنّه لم يقصد القتل.
وتابع فضيلته: إن الله سبحانه وتعالى قد ذكر عقوبات شديدة للقتل العمد في القرآن العظيم، قال تعالى: “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا” [النساء: 93]. في هذه الآية، بيّن الله سبحانه وتعالى خمس عقوبات للقتل العمد؛ فالشخص الذي يقتل عمدًا يدخل النار خالدًا فيها، ويغضب الله عليه، ويلعنه، ويُعد له عذابًا عظيمًا.
اختطاف الأشخاص من الظواهر الجديدة والقبيحة/ الخاطفون عصابات إجرامية
وانتقد فضيلة الشيخ عبدالحميد بشدة ظاهرة اختطاف الأشخاص من أجل الابتزاز ، وقال: للأسف، تزايدت ظاهرة اختطاف الأشخاص بغرض الابتزاز، وهذه ظاهرة جديدة وقبيحة جدًا. نصيحتي لجميع القبائل والطوائف في المنطقة هي أن كل قبيلة وطائفة يجب أن تراقب أفرادها وتمنعهم من الانضمام إلى العصابات الإجرامية. الخاطفون هم جزء من العصابات الإجرامية. بعض الناس يشكلون مجموعات ويكسبون المال الحرام عن طريق اختطاف الأشخاص وابتزازهم. هؤلاء الأشخاص مستحقون للنار في جهنم.
وأضاف: بعض الأشخاص يختطفون الآخرين من أجل استرجاع ديونهم؛ وهذا أيضًا عمل قبيح وغير صحيح. إذا كنت تطلب دَينًا من شخص، فلا ينبغي لك أن تختطفه. البعض يختطف الأطفال الصغار. هل أباح لكم الشرع هذا الفعل؟ وهل كان آباؤكم وأجدادكم يفعلون ذلك؟ إذا كان المدين في مأزق وكان الطرف الآخر غير مستعد لدفع دينه، فيمكن للدائن أن يأخذ شيئًا من أموال المدين كضمان، أو يمكنه أن يذهب إلى المحكمة ويطالب بحقه من خلال الطرق القانونية.
مكافحة ظاهرتي “القتل بغير حق” و”الااختطاف”، تتطلب عزما جادا وشعبيا
واستطرد خطيب أهل السنة قائلاً: مكافحة ظاهرتي “القتل بغير حق” و”اختطاف الأشخاص” تتطلب عزما جادا من الشعب. يجب على الآباء والأمهات، والعلماء، وكبار السن، والنخب، والمثقفين وبقية فئات المجتمع، أن ينصحوا الشباب بعدم الدخول في نزاعات مع الآخرين، وألا يحملوا الأسلحة معهم. يجب العمل على تعزيز التدين بين الشباب؛ لأن الدين يمنع زيادة القتل والفساد والشر.
وأضاف: الشباب هم ثروتنا؛ فإذا تصرفوا بشكل صحيح، سيجلبون لنا العزة والكرامة، لكن إذا تصرفوا بشكل خاطئ، فإن عزتنا وكرامتنا ستكون موضع تساؤل. لذلك يجب على جميع فئات المجتمع مواجهة الظواهر السيئة مثل “القتل” و “اختطاف الأشخاص” و”السرقة”، كما يجب على المسؤولين أداء واجباتهم في هذا الصدد.
انتهاك أعراض الناس من أكبر الذنوب
وتابع فضيلة الشيخ عبدالحميد قائلاً: انتهاك أعراض الناس من أكبر الذنوب، وأصبح اليوم الافتراء والاتهامات ضد الناس في وسائل التواصل الاجتماعي أمرًا شائعًا. من يقومون بمثل هذه الأعمال لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يخافون من عذاب الله.
وأضاف: حتى إذا كنت مختلفًا مع شخص أو غير راضٍ عنه، لا ينبغي لك أن تتهمه بالباطل أو تسيء إلى سمعته؛ لأن هذا الفعل يسبب غضب الله تعالى.