header
فضيلة الشيخ عبد الحميد في خطبة الجمعة بمدينة زاهدان:

الحجّ ملتقى الثقافات واللغات والألوان المختلفة تحت شعار ولباس واحد

تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة بمدينة زاهدان، في خطبة الجمعة، (1 من محرم 1447) إلى بيان بعض رموز وحِكَمِ الحجّ، واصفا إياه بـ”العبادة العظيمة الشاملة”، معتبرا مناسك الحجّ بأنها تمثّل “تجمّعًا للثقافات واللهجات والألوان المختلفة في لباس واحد وشعار واحد”.


الإسلام دين يلبي كافة احتياجات البشرية في كل زمان ومكان
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد بعد تلاوة قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]، موضحا: إنّ الإسلام دين خالد إلى يوم القيامة، كما أن الله تعالى جعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، والقرآن الكريم آخر الكتب السماوية، وهذه الأمة آخر الأمم، والإسلام آخر الأديان التي ستبقى إلى قيام الساعة، ولضمان بقاء هذا الدين إلى الأبد، اتخذ الله تعالى كل التدابير، وأظهر أن هذا الدين دينٌ كاملٌ يلبي كافة احتياجات المجتمع.


في الحج، يتحقق مبدأ المساواة بين الناس
وقال فضيلته: يجمع الله تعالى الناس في الصلوات اليومية، وصلاة الجمعة، وفي مناسك الحج، حيث يلتقي الناس من جميع أنحاء العالم بألوان مختلفة، وألسنة وثقافات مختلفة تحت شعار واحد: “لبيك اللهم لبيك”، فيعترفون بوحدانية الله، ويقولون: إنهم عبيد لله، وأن كل الخيرات منه وحده. وكل حاج من أي قارة أو قومية أو جنسية لا ينطق سوى بالتلبية، ويرتدي الجميع لباس الإحرام الذي يحقق المساواة الكاملة بين الجميع، إذ يجب على كل شخص أن يرتدي الإحرام بغض النظر عن منصبه، وإلا فلا يُقبل منه الحج.
وتابع: إنّ الحج هو عبادة عظيمة تشمل العبادة المالية والجسدية؛ حيث يبذل الإنسان جهده الجسدي ويتحمل المشقة والتعب، ويجتمع المسلمون من جميع أنحاء العالم خلف إمام واحد يؤدون الركوع والسجود معًا، وفي يوم عرفة يجتمع الجميع في مكان واحد، وهو تجسيد لـلاجتماع بين ثقافاتٍ ولغاتٍ متنوعة تحت شعار واحد ولباس موحد.


الحجّ ساحة تدريب على مكارم الأخلاق
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: من العجيب أن الحاج في هذه الأيام المحددة، يضبط لسانه ويبتعد عن السب والشتم والجدال، ومن دون الحاجة إلى رجال الأمن والشرطة، فالله سبحانه وتعالى يضمن لهم الأمن، كما قال الله تعالى: “ومن دخله كان آمنا”. وقد دعا إبراهيم عليه السلام قائلاً: “رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا”.
وصرح قائلا: الحجّ بمثابة ورشة تعليمية يتعلم المسلم فيه كيف يكون رحمة للعالمين، وكيف يكف لسانه ويده عن إيذاء الآخرين.


الطواف حول الكعبة؛ هو طواف حول أوامر الله تعالى
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: من دروس الحجّ، التضرع والطواف حول بيت الله الحرام، حيث يعترف الحاج لله قائلا: يا الله، أنا أُطوف حول بيتك تلبية لأوامرك، لأن هذا البيت هو مركز رحمتك، ويجب على المسلم أن يظل طوال حياته مطوفًا حول أوامر الله وطائعًا له.


السعي بين الصفا والمروة رمز للصلابة والجهاد في مواجهة الأعداء
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد: أحيانًا يهز الحاج كتفيه، وهذا يعني أنه يجب أن يُظهر الصلابة في مواجهة الأعداء الذين يسعون إلى تدميره ودينه، ويجب أن يجاهد ضده. الجهاد هنا ليس فقط في مواجهة الأعداء الظاهرين، بل أيضًا في مقاومة الشر والفتن والأهواء.
وتابع قائلا: إن الحجاج يسعون بين الصفا والمروة، وهو المكان الذي ركضت فيه هاجر عليها السلام، ويتبعون أوامر الله، وفي هذا السعي يجب على المسلم أن يضع كافة جهوده في طاعة الله، والعمل على تنفيذ أوامره بإخلاص.


رمي الجمرات؛ محاربة الشيطان وجهاد النفس في طاعة الله
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد: رمي الجمرات من أعمال ومناسك الحج. وهو رمز لمحاربة الشيطان وجهاد النفس. كما ورد في الحديث الشريف أن المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، ورمي الحجاج الجمرات رمز لرفض الاستسلام لإغراءات الشيطان، وتأكيد على ضرورة مواصلة جهاد النفس في سبيل الله طوال الحياة.


عرفة؛ اجتماع الرب مع عباده
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: في يوم عرفة يتحقق الاجتماع بين العبد والرب. في هذا اليوم، يقترب الله تعالى من عباده، حتى القلوب القاسية تذوب وتبكي في ميدان عرفة، وهو مثال آخر على طاعة العباد وقرب الله من الصادقين والأمناء والمؤمنين والمحسنين والصابرين.
وأضاف: الحج من أول يوم إلى آخره درسٌ وهدي كامل عن الدين، يشمل العديد من التعاليم. يتحسّر كثيرٌ من الذين يذهبون إلى الحج في كِبَرِ سنّهم، ويقولون: ليتنا ذهبنا في شبابنا. فهناك عظمة لا مثيل لها في الحج، ولن تجد هذه العظمة وهذا الاجتماع الكبير في أي مكان آخر في العالم.


في المدينة المنوّرة الجميع صامتون؛ لأنها موضع الأدب
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد: عندما ينتهي الحج، يتوجه الجميع إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هناك، الجميع صامتون؛ لأن هذا هو مكان الأدب. هنا، كان جبريل عليه السلام يجلس أمام النبي صلى الله عليه وسلم كما يجلس التلميذ أمام المعلم.
وأضاف: هذا هو مكان المعلم الذي كان يجلس على الأرض، وكان ينام على الحجر في غار حراء وغار ثور، ويفكر في إنقاذ الإنسانية وفي عظمة الله تعالى، هو المعلم الذي تحمل الجوع من أجل دعوة الناس، وبفضل اهتمامه وتضحيته، شبع الآخرون. علمه الله تعالى أن يكون متواضعًا مع الناس.
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد في نهاية هذا الجزء من خطابه: إن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو فخر الأنبياء، لم يكن يجمع الدنيا لنفسه، بل عمل على إعمار دنيا الآخرين، وكان يستدين من أجل ملابس وأطعمة أولاده. هذه هي سيرة النبي الأعظم التي أقسم الله تعالى بحياة النبي عليه الصلاة والسلام. لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم متواضعًا، وأظهر للعالمين أفضل الإيمان، والأعمال، والأخلاق.
وأضاف: في المدينة المنورة، عندما يلتقي الصالحون والعلماء والمجاهدون والعُباد أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم يعتبرون أعمالهم ضئيلة جدا بجانب عظمة هذا المجاهد والعابد الأعظم.


على المسؤولين في البلاد أن يُقدّروا شعب إيران
وتطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد في الجزء الآخر من خطبته إلى العدوان الأخير الذي قام به الكيان الصهيوني على الأراضي الإيرانية قائلا: إنّ إدانة الشعب الإيراني لهذا العدوان الإسرائيلي، رغم ما يعانيه من تذمّر واستياء، يدلّ على وعي هذا الشعب ويقظته، وعلى المسؤولين أن يقدّروا هذا الشعب العزيز، وأن يجعلوا دائمًا كسب رضاه في مقدمة أولوياتهم.


نتقدم بالتعازي إلى عوائل شهداء العدوان الصهيوني على إيران
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: قد أسفر هذا العدوان عن استشهاد عدد كبير من مواطنينا الأعزاء وإصابة آخرين، فضلاً عن الخسائر المادية الجسيمة. أتقدّم بخالص التعازي إلى جميع أبناء الشعب الإيراني الذين فقدوا ذويهم في هذا العدوان الغاشم.
وأضاف: إنّ هذا العدوان قد ألحق أضرارًا بالغة بثروات البلاد وبناها التحتية، وكل ما تعرض للتخريب والدمار في هذه الأحداث يُعدّ ملكًا للشعب الإيراني وثرواته.


رغم الاستياء العام.. أدان الشعب الإيراني جميعا العدوان الإسرائيلي، وهذا يدلّ على وعيهم
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان: إنّ من أبرز ما يلفت الانتباه في هذا الحدث هو أن الشعب الإيراني، على الرغم من حالة التذمر والاستياء العام التي يعيشها، أدان بالإجماع هذا العدوان الأجنبي على تراب الوطن. هذا الموقف يعكس بوضوح وعي الشعب الإيراني وشرفه العظيم.
وشدد قائلا: على المسؤولين أن يُدركوا أهمية هذا الشعب النبيل والواعي، فمكانة هذا الشعب وحقوقه أعظم مما يمكننا تصوّره.
وصرح فضيلته: إنّ أفضل سياسة في العالم هي أن تسعى الحكومة لاكتساب مرضاة الله ومرضاة الشعب، وهذه السياسة علّمها الله تعالى لعباده، كما قال لرسوله الكريم: “يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين”، لذلك فإنّ كسب رضا الشعب والاستجابة لمطالبه العادلة، هي أحكم السياسات وأسمى درجات العقلانية.


الحجاج عادوا بفضل الله سالمين إلى الوطن
وفي الجزء الأخير من خطبته، تطرق فضيلة الشيخ إلى رحلته الأخيرة لأداء مناسك الحج، قائلا: نحمد الله تعالى كثيرًا حيث وفّقنا بعد سنوات لأداء مناسك الحج المباركة، ونظرًا لما ساد من التوتّر وعدم الاستقرار في المنطقة، فإنّ قلق عوائل الحجاج كان مبرّرًا، ولكن بفضل الله تعالى عاد الحجاج إلى الوطن سالمين وآمنين.
وأضاف فضيلته: بعد اندلاع الحرب وتعليق الرحلات الجوية، أُعلِن أنّ بإمكان الحجاج العودة إلى الوطن عبر حدود العراق أو باكستان أو أفغانستان، وبما أنّ طريق أفغانستان كان أكثر أمانًا، اخترنا هذا الطريق.


نشكر المسؤولين في أفغانستان على تكريمهم للحجاج
وتابع خطيب أهل السنة قائلاً: أشكر المسؤولين في أفغانستان وإخواننا الأعزاء هناك على حسن استقبالهم وإكرامهم لحجاج بيت الله الحرام. لقد حاولنا أن نبقى متخفّين أثناء الرحلة إلى أفغانستان، ولكن بعض من علموا بوجودنا، جاؤوا إلينا لطلب الدعاء وإظهار محبتهم.
وأشار فضيلته إلى أنّ من أبرز ما لفت انتباهه في أفغانستان هو الأمن السائد هناك، وتابع قائلا: لقد أثّر في نفسي الأمن الذي يعم البلاد، حيث تم القضاء على الفساد والجرائم بشكل ملحوظ، لدرجة أن الناس قالوا: إنّ المرأة تستطيع أن تسافر وحدها بأمان تام، من منطقة إلى أخرى في الليل. نسأل الله أن يديم هذا الأمن في أفغانستان.
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد في ختام خطبته: لقد رفعنا أكف الدعاء خلال رحلة الحج لأجل جميع المسلمين، ولأجل الشعوب والدول الإسلامية، وخاصة لشعبنا العزيز وبلادنا إيران. نسأل الله أن يتقبّل جميع تلك الدعوات الصادقة.

191 مشاهدات

تم النشر في: 28 يونيو, 2025


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©