header
فضيلة الشيخ عبد الحميد في حوار مع مجلة الصحوة الإسلامية:

العلامة السيد محمد يوسف رحمه الله يصلح لأن يتخذ أسوة

الإشارة: قامت مجلة “الصحوة الإسلامية” الشهرية، الصادرة من جامعة دار العلوم زاهدان-إيران، في عددها الخاص بمناسبة رحيل العلامة الفقيد شيخ الحديث السيد محمد يوسف حسين بور رحمه الله، بإجراء مقابلة صحفية مع فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة ورئيس جامعة دار العلوم بمدينة زاهدان، حول شخصية العلامة محمد يوسف حسين بور رحمه الله.
ألقى فضيلة الشيخ عبد الحميد في هذه المقابلة الضوء على الجوانب العلمية والعملية لحياة العلامة محمد يوسف حسين بور، وكما أشار إلى تواضعه وقلة تكلفه، ومسارعته لأعمال الخير في المجتمع، واصفا إياه بشخصية ينبغي أن يتخذ أسوة ويقتدى به.
ونص هذه المقابلة كما يلي:


المجلة: كان شيخ الحديث مولانا السيد حسين بور رحمه الله عالما عاملا، المرجوّ من فضيلتكم إلقاء الضوء على هذين الجانبين؛ العلمي والعملي في شخصية الفقيد؟

فضيلة الشيخ: إن شخصية مولانا حسين بور العلمية كانت عالية حقا، قد أهّله الله تعالى وأعده للقيام بدور مؤثر، وكان من النوابغ، وبجنب الاستعداد والمؤهلات كان مجاهدا مجتهدا وقد بلغ به الاجتهاد إلى أن يبلغ شأوا بعيد المدى في العلم، وكان مسلطا على الكتب وماهرا فيها يدرس الكتب بعبقرية خاصة، والطلاب قد كانوا يأتوننا ويثنون على أسلوبه في التدريس وخاصة صحيح البخاري، فهو يدرس أحسن تدريس، ويؤدي حقه، يستحضر الأحاديث وشرحها وآراء العلماء حولها، ولا غرو فهو التلميذ الخاص لمولانا محمد يوسف البنوري وهذا الأخير تلميذ خاص للعلامة أنور شاه الكشميري الذي كان نسيج وحده ونابغة عصره.
فمن الناحية العلمية كان في مستوى عال وفقيه النفس ومتصفا بالجامعية ورجاحة العقل، فكانت له آراء صائبة في القضايا الاجتماعية، دائما يجود بالرأي الأقوم، وفي المسائل العلمية والفقهية فهو ابن بجدتها حيث يبدي آراءً دقيقة سديدة ذات طابع إخصائي.
وأما من الناحية العملية، فكان مخلصا، جم التقوى والتواضع، مواظبا على السنة والشريعة، حساسا على العمل بهما، ويظل يؤكد في الجلسات على أداء الصلوات في أوقاتها، ويجلس في الحفلات والجلسات ساعات متواليات لا يمل ولا يكل، رغم الطعن في السن وكان تربطه بالمدرسة والدرس علاقة عجيبة، قلما نجد شخصا له مثل هذه الصلة الوثيقة بالمدرسة، والطلاب كانوا يحبونه كثيرا لدرجة العشق والغرام، فيما هو أيضا يحب الطلاب كثيرا، يعرف تلاميذه ويهتم بهم، ولا أعرف شخصا تربطه هذه العلاقة الوثيقة بتلاميذه، نحن لا نعرف تلاميذنا بينما هو كان يعرفهم ويتفقدهم، وقد وفقه الله للعمل فكان حريصا للعلم والعمل والتقوى شديد في تطبيق الشريعة وكان عالما مخلصا ربانيا، يصلح لأن يكون قدوة وأسوة يقتدى بها.
كان شخصية منقطعة النظير في البساطة والتواضع والرغبة عن الدنيا وعدم الالتفات إليها، كان يسكن في بيوت قديمة وملابسه أيضا كانت بسيطة جدا، والذي لم يكن له سابق معرفة به لم يكن يعرفه من زيه، ربما كان يفكر بأنه عالم عادي ولا يظن أنه في هذه المكانة الرفيعة من العلم والفضل والكمالات، استفاد من متاع الدنيا بقدر الضرورة بعيدا عن التكلفات والتصنعات وحينما كان ينادى في الحفلات بــ «شيخ الحديث» ينزعج كثيرا بحيث يتغير وجهه وكان يقول لا تقولوا لي شيخ الحديث فلست بشيخ الحديث، ومرة لقب بــ شيخ التفسير فقال نعوذ بالله! ينهى بشكل قاطع عن الأوصاف والألقاب، مما يدل على صدقه في تواضعه وكان في درجة من التواضع والانكسار لا يشعر أمام طالب بأنه أستاذه، ويعتقد أنه زميله وصديقه، وكان قد يستعمل كلمات متواضعة جدا، يمكننا أن نقول بأنه في العلم والعمل والأخلاق والإخلاص والبساطة والتواضع كان نادر النظير في عصره.


المجلة: شكرا على هذا البسط والاستيعاب في الرد، والآن بودّنا أن تشيروا إلى مدى أثره في المجتمع؟

فضيلة الشيخ: كان مؤثرا في الاجتماع يشارك في الجنائز ويهتم بهذا الجانب وكنا نذهب ونراه حاضرا هناك، ينطلق فور السماع بوفاة الأشخاص، في المناطق والقرى النائية، وفي الانتخابات كان صاحب رأي والذي كان يزكيه هو الناس يصوتون له، والناس كانوا ينتظرون أمره في مدينة سراوان وضواحيها ورأيه في الانتخابات الرئاسية، وخاصة في انتخابات مجلس الشورى، وله في الاجتماع آراء حكيمة صائبة. وأذكر جيدا حينما سافر مولانا عبد العزيز رحمه الله إلى طهران للمشاركة في مجلس الخبراء استصحب الفقيد إلى هناك للمشاورة وسنّ القوانين ولا أذكر كم يوما بقوا هناك لكنهم كانوا معا ومولانا عبد العزيز كان يكنّ له حبا كبيرا وقد سمى مرة عالما كبيرا في المنطقة وقال أنا أحب يوسف أكثر منه، لأن ذلك العالم يشتغل بالشؤون العرفانية وهذا الأخير مشتغل بخدمة العلم، وسمعته يقول له «يوسف جان» (يوسف العزيز) والفقيد كان يحضر مجالس الشيخ عبد العزيز رحمه الله. وجميع العلماء على مستوى المنطقة كانوا يحبون الفقيد بل العلماء وغير العلماء سواسية في حبه وكان شخصية محبوبة، وقد رأيتم الحشود الحاشدة يوم تشييع جثمانه، التي قد شكلت جمعا غير مسبوق في قرية نائية، وحينما تلقى الناس نعي الشيخ جن جنونهم وخرجوا من بيوتهم، كل ركب سيارته وانطلق، وقد ازدحموا على الحدود ينتظرون وصول جثمانه من باكستان، وقد اجتاحت الحدود السيارات مترقبة وصول الجنازة، والجنازة قد سلمت بعد يوم ولكن الناس استقروا على الحدود ينتظرون طول الوقت.


المجلة: ما هي رسالتكم للعلماء والطلاب بعد فقد هذه الشخصية العملاقة؟

فضيلة الشيخ: إن وفاة الشيخ قد أحدثت شرخا هائلا في كيان الأمة بالمنطقة وعلى صعيد البلاد، وطبعا إن واجب العلماء والطلاب ورسالتهم تكون ثقيلة بعد رحيله، فهو قد ضخّم واجبنا جميعا، كيف لا وهو كان عالما متضلعا ربانيا مخلصا متواضعا زاهدا نسيج وحده، كان سببا في تثبيت قلوبنا، ونشعر أننا برحيله فقدنا دعامة عملاقة، ونرجو أن يبدلنا الله من الفقيد بدائل كثيرة، ولا يفتتننا، ويرحمنا وينصرنا.


المجلة: وفي الأخير ما هي وصاياكم بشأن سدّ هذه الثلمة التي حدثت جراء وفاة الشيخ؟

فضيلة الشيخ: نوصي أولا بــ” الدعاء”؛ وكان الشيخ العلامة عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: «إن هذه المدارس الله قد تنجب رجالا عباقرة، لكن لا دائما وإنما بين حين وآخر» فلا يصنع في المدارس دائما الشيخ عبد العزيز ولا الشيخ محمد يوسف رحمهم الله، وقد يقيّض الله أمثالهم بعد كل ردح من الزمن، وانطلاقا من هذا علينا أن ندعو هذا من الله تعالى وهو رحيم بالعباد.
-الاجتهاد والسعي الحثيثين لسد فراغ هؤلاء الكبار، الله قادر على هذا، ومن سننه أنه يصنع رجالا لدينه في المجالات المختلفة، وهو يتوفى الرجال الأفذاذ بعد انتهاء رسالتهم، والله تعالى قد توفى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت مبكر لأنه أراد راحته، وهو صلى الله عليه وسلم ربى تلاميذه في أقصر وقت ليقوموا بدوره موسعين نطاق دينه ودعوته، وهؤلاء الرجال جميعا هم مريدو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاة إلى سنته ومنهجه.
ونحن نحمد الله تعالى فإن الشيخ السيد محمد يوسف رحمه الله ولو كان فقده خسارة كبيرة جدا إلا أن مكانه ليس بفارغ، فله أولاد بارعون سواء الأولاد الصلبية أو الروحية وهم التلاميذ، إن الشيخ السيد عبد الكريم رجل عالم صالح مؤهل، وكذلك أولاده الآخرون، فهو قد وفق لتربية أولاده تربية حسنة، ومدرسو المدرسة أيضا أولاده، فهم يواصلون بعده أعماله بقوة بالغة وعمله جار إن شاء الله. وقد رأى شخص الفقيد في الرؤيا وهو يتابع أمور بناء مدرسة ويريد حفر بئر لها لإخراج الماء، ويفكر في نفقات الطلاب، فهذا يدل على أنه جنى ثمار أعماله، فيريد الاستمرار فيها. فأعماله ومساعيه صدقة جارية وباقية صالحة له.


المجلة: شكرا فضيلة الشيخ، فرحنا جدا بإتاحتكم إيانا فرصة للمحاورة، قد زوّدتمونا بكلمات قيمة.

فضيلة الشيخ: حيّاكم الله تعالى ووفقكم لمرضاته.


حاوره: السيد مسعود

290 مشاهدات

تم النشر في: 17 ديسمبر, 2017


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©