header

ضمن رحلته الدعوية إلى بعض المناطق الجنوبية والمركزية لمحافظة سيستان وبلوشستان، غادر فضيلة الشيخ عبد الحميد والوفد المرافق له صباح الإثنين 7 من ربيع الثاني، مدينة “إيرانشهر” متجهين نحو مدينة “نيكشهر”.
أثناء الطريق توقفوا في قرية “خير آباد”، وألقى فضيلة الشيخ خطبة وجيزة لأهل هذه القرية والذين أتوا إليها من القرى المجاورة بعد ما سمعوا أن الشيخ قادم إلى هذه القرية.
تلا فضيلة الشيخ عبد الحميد في بداية كلمته آية “واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون”، واعتبر هذه الجولات والرحلات وإقامة هذه الجلسات، في إطار الأهداف الدينية الخالصة، مؤكدا أنها ليست ورائها أهداف أخرى.
ثم استطرد في شرح الآية التي تليت: في الماضي كان الصحابة هم المخاطبون للقرآن الكريم، ولكن الآن فالقرآن الكريم يخاطبنا ونحن المخاطبون له.. لهذا لما قال الله تعالى في القرآن الكريم “واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله”، ذلك اليوم الذي نترك الدنيا وما فيها من الأموال لنذهب إلى زيارة الرب تبارك وتعالى. لنعلم جيدا أن لا نكون متعلقين بأموال الدنيا، بل نخاف من عقاب الله وحسابه ونحب الله والدين الإسلامي.
وأشار فضيلته إلى أهمية الصلاة في الإسلام قائلا: لو سُئلتُ عن أكبر مصيبة وكارثة ابتلي بها المسلمون في  عصرنا، لقلت أن تضييع الصلاة وعدم الاستقامة والالتزام بها، هي المصيبة العظمى.

اللقاء والتحدث مع أهل قرية “هريدوك” (لاشار):
بعد اللقاء مع سكان قرية “خير آباد” والقرى المجاورة، اتجه فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى قرية “هريدوك”، وكان هناك لقاء مع أهل تلك القرية. وقد كان سكان قرية “هريدوك” خرجوا لاستقبال فضيلة الشيخ عبد الحميد وتجمّعوا خارج القرية للترحيب بقدوم الشيخ.
أدى فضيلة الشيخ صلاة الظهر، ثم قام خطيبا بين أهل القرية، واعتبر سماحته القرآن الكريم أكبر نعمة إلهية على المسلمين قائلا: إن كانت الدول الصناعية المتقدمة تفتخر بصناعتها وتقنيتها، فالأمة المسلمة يجب أن تفتخر بتلك النعمة العظيمة التي انفصلت عن اللوح المحفوظ وهي بأيديهم. نعم! يجب أن تفتخر الأمة بالقرآن الكريم الذي تحدث الله فيه مع البشر، واستجاب كافة حاجات البشر في كل شعبة، وهو الكتاب الذي يقرب الإنسان المصنوع من التراب إلى الله وإلى عالم الملكوت.
وأضاف فضيلته قائلا: الصحابة وأسلافنا الذين أصبحت ذكراهم خالدة في التاريخ، كان القرآن الكريم جميع ما يملكونه. اليوم أيضا للقرآن ذلك الأثر ولم تتغير أيضا قدرة الله تعالى، ولكن المسلمين تغيروا. مع الأسف الأمة المسلمة نتيجة التساهل في مجال العمل على القرآن الكريم وأحكامه، أصابهم الوهن والذل والهوان. لو رجع المسلمون إلى الإسلام الصادق، واستسلموا تجاه الأحكام الإلهية، لاستعادوا عزتهم الفائتة وكرامتهم الماضية.
في نهاية خطبته، اعتبر فضيلة الشيخ عبد الحميد وجود الكتاتيب القرآنية والمدارس الدينية في منطقة “لاشار” من فضل الله وإرادته على هداية أهل المنطقة، مؤكدا على ضرورة تربية الأولاد وتعليمهم، كما طالب فضيلته العلماء والمثقفين بالسعي الحثيث في مجال تعليم القرآن الكريم والأحكام الإسلامية للتلاميذ، لئلا يبقوا أجانب بالنسبة إلى القرآن والدين وهم يلتحقون بالجامعات، ولا يقعوا فريسة للحضارة الغربية والدعايات المضللة.

خطبة فضيلة الشيخ عبد الحميد في مدينة “نيكشهر”:
وصل فضيلة الشيخ عبد الحميد عصر الإثنين إلى مدينة “نيكشهر” حيث استقبله آلاف من السكان المؤمنين والمتدينين من أهل “نيشكهر” الذين كانوا في انتظار قدوم الشيخ منذ ساعات على أبواب المدينة.
(مدينة “نيشكهر” تقع على الممر التجاري لشابهار. المسجد الواسع الذي يبنى في طوابق مختلفة والمدرسة الدينية التي تضم أكثر من مائة طالب، يدلان على حب أهل هذه القرية للدين الإسلامي والمحافظة على الشعائر الإسلامية).
وعقدت جلسة لقاء فضيلة الشيخ عبد الحميد مع أهل مدينة “نيكشهر” في المسجد الجامع لهذه المدينة الذي اكتمل بنائه.
في هذه الجلسة الرائعة تحدث في البداية الشيخ “عبد الله وحيدي فر” خطيب أهل السنة في مدينة “نيشكهر”، مرحبا بقدوم فضيلة الشيخ عبد الحميد، كما اعتبر رحلته سببا للخير والبركة في المنطقة وفرح العلماء وعامة الناس.
ثم بدأ فضيلة الشيخ عبد الحميد خطبته بتلاوة آية “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا”، قائلا: إن الله تعالى بيّن في هذه الآية الحكمة من خلق الإنسان على الأرض. خلق الله تعالى في البداية الأرض والسماء والبحار والجبال والكائنات الأخرى على الأرض ليكون كل شيء جاهزا في الأرض لضيف هام جدا، ألا وهو الإنسان. ثم خلق الله تعالى آدم، ولما اعترض الملائكة، جعل الله آدم والملائكة في اختبار ومنافسة. برز آدم في هذه المسابقة، وإجابته على أسماء الأشياء التي علمها الله تعالى كانت صحيحة، لأن استعداد العلم والتعلم لقد وضع في فطرة آدم. انتقل آدم إلى الأرض. ثم عرض الله تعالى كما ورد في الآية، أمانته على كافة الكائنات، لكنها أبت من قبولها واعتبرت هذا الاختبار صعبا وثقيلا. لكن آدم لما أن فطرته كانت مهيأة لقبول هذه الأمانة العظيمة، قبل وحمل هذه الأمانة.
وأشار فضيلته إلى أن البشر دائما يتعرض للإمتحانات الإلهية، قائلا: الامتحان والاختبار دائما يثير القلق والاضطراب، لأن الامتحان صعب. البشر أيضا تعرض لإختبار الله وامتحانه وابتلائه، ووضعت على كاهله أمانة عظيمة. “القرآن الكريم”، و”الإيمان”، و”الدين الإسلامي” هي الأمانة التي لأجلها تعرض البشر للإمتحان. فنحن كالبشر أمناء الله والرسول. علينا أن نفكر هل كنا أمناء جيدين صالحين أم لا، وهل حافظنا على الأمانة بشكل جيد أم لا؟
واستطرد فضيلته واصفا “الحجاب الإسلامي” أمانة فوضها الله تعالى إلى النساء المؤمنات المسلمات، مخاطبا النسوة المسلمات: في عصرنا يعتبر في أروبا السفور رمز التقدم والرقي، مع أن السفور ليس تقدما ولا رقيا، بل مراعاة الحجاب الإسلامي والعفة دليل على كرامة المرأة والحضارة. يقول القرآن الكريم مخاطبا النسوة المؤمنات «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» [النور:31]
وأضاف فضيلته معتبرا “المعصية” و”الخوف”، من أسباب زوال الأمم؛ ونهضة الشعوب في الشرق الأوسط وأمواج الصحوة الإسلامية بين المسلمين والتضحية في سبيل حفظ الإيمان، من علائم عودة الأمة المسلمة إلى التعاليم الشرعية.
وتابع فضيلته مشيرا إلى أن العدل أيضا من الأمانة الإلهية التي وضعت على كاهل البشر: علينا جميعا أن نتعامل بالعدل والمساوة في المجتمع. يجب أن تكون الشعوب عادلة بالنسبة إلى الحكومات، والحكومات بالنسبة إلى شعوبها. الشعوب والمواطنون كالأولاد، والحكومات كالوالدين. كما أن العدل والمساواة بين الأولاد من فرائض الوالدين، كذلك يجب على الحكومات أن تعدل بين مواطنيها.
وخاطب فضيلته أهل “نيكشهر” قائلا: رسالتي لكم أيها الشعب المؤمن والمتدين في نيشكهر، أن تمسكوا بالحبل الإلهي إذا أردتم السعادة في الدنيا والآخرة، واجتنبوا المعاصي، واعلموا أن الله تعالى سيحل كافة مشكلاتكم حينئذ.
وأكد فضيلته في نهاية خطبته على أهمية الصلاة قائلا: الوصية بالصلاة هي أخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم وعند الوفاة،  فالتزموا الصلاة واعلموا أن الطريق الوحيد لإزالة المشكلات هي الصلاة؛ فبالصلاة أعيدوا البركة والرحمة الإلهية إلى حياتكم ومجتمعكم.

فضيلة الشيخ عبد الحميد في قرية “هيت”:
وصل فضيلة الشيخ عبد الحميد صباح الثلاثاء إلى قرية “هيت” من مضافات مدينة “قصرقند”، وألقى خطبة في جامعها. أشار فضيلته في كلمته إلى “الهدف الإلهي من خلق البشر ورسالة الإنسان على الأرض” قائلا: النعم الموجودة على الأرض كلها هي حاجات البشر، وهي كالزاد للمسافر، وهي ليست كالهدف والغاية له. لا تعلو مكانة الإنسان ولا قيمته لأجل أنه يأكل أو يرتدي ويتمتع بالنعم الإلهية، بل هذه النعم كلها جعلت في متناول البشر ليصل إلى الغاية التي هي العبادة والعبودية. مع الأسف يحسب الإنسان أنه خلق لأجل الانتفاع من نعم الدنيا، وأن الهدف من خلقه أن ينتفع بهذه النعم.
لو أننا نقرأ القرآن الكريم ندرك جيدا أن رسالة الإنسان عظيمة وهو خلق لهدف واحد وهي عبادة الله. لنعلم جيدا أن الدنيا خلقت للإنسان لكن الإنسان خلق لعبادة الرب تبارك وتعالى.

الرحلة إلى مدينة “قصر قند”:
اتجه فضيلة الشيخ إلى مدينة “قصرقند” بعد زيارته لقرية “هيت”. أقيمت جلسة “قصرقند” قبل صلاة الظهر. قبل كلمة الشيخ عبد الحميد، رحب فضيلة الشيخ “سكندري” نيابة عن خطيب أهل السنة في “قصرقند” في كلمات قصار بقدوم فضيلة الشيخ عبد الحميد ومرافقيه، ثم تحدث بعد ذلك الشيخ “محمد عثمان” خطيب أهل السنة في مدينة “خاش” حول التوحيد ومذمة الشرك.

خطبة الشيخ عبد الحميد في مدينة “قصرقند”:
تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد في خطبته لأهل مدينة “قصرقند” إلى توضيح آية “ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين”، مشيرا إلى المحن والبلايا التي ابتلي بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قائلا: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قوبل بمحن كثيرة من جانب الله تعالى، حيث ألقي في النار، وأمر بذبح ولده، وترك زوجته وولده في صحراء مكة. لكنه صبر على كافة هذه المشكلات واستقام قائلا “أسلمت لله رب العالمين”. لما رجع إبراهيم من مكة، تضرع إلى الله تعالى بألفاظ مشهورة ورد في القرآن الكريم، ونتيجة صبره واستقامته التي أرى من نفسه، استجاب الله لكافة ما دعا به إبراهيم. يعلم من هذا أن الإنسان كلما استقام وصبر على المشكلات تستجاب له أدعيته.
وأشار فضيلته إلى أنه لا يوجد شيء أحب عند الله من الدين، قائلا: الأنبياء كلهم، وخاصة رسولنا الكريم، تحملوا المشاق والمصائب لأجل الدين. ولقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل الدين معارك وغزوات كثيرة، ونحن اليوم مسلمون نتيجة تلك الجهود والمشقات. مع الأسف أصبحت سنن النبي صلى الله عليه وسلم مهجورة بين المسلمين في عصرنا؛ مع أن الله تعالى يقول “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”. فلا تكفي دعوى المحبة فقط، بل علينا أن نحيي الدين والسنة في حياتنا ومجتمعنا.
وتابع فضيلته قائلا: تبليغ الدين وتعليمه يخلدان الدين، ويكونان سببا لنشرالإسلام الصحيح. فعلى عامة الناس أن يهتموا بتعلم الدين وعلومه، وخاصة قراءة القرآن الكريم، ويزوّدوا أولادهم بالتعاليم الإسلامية.

فضيلة الشيخ في مديرية “تلنك” من توابع ميناء “تشهابهار”:
(مديرية “تلنك” تضم قرابة ستين قرية، وهي من توابع ميناء “تشابهار” ]جنوب بلوشستان[، التي تقع في شرق هذه المدينة. توجد في هذه القرية مدرسة دينية يشتغل فيها أكثر من مائتي طالب بتعلم العلوم الإسلامية).
أقيمت جلسة “تلنك” بسب كثرة الحاضرين، في مكان خارج عن المنطقة، في ساحة مفتوحة أعدت لهذا الهدف من قبل. في هذه الجلسة الرائعة التي انطلقت بعد صلاة المغرب، تكلم في البداية الشيخ “عبد القادر كتري زهي” من علماء تلك المنطقة، مرحبا في كلمته بفضيلة الشيخ عبد الحميد ومرافقيه. ثم تقدم أحد شعراء المنطقة بأنشودة رائعة باللغة البلوشية.
بعد الأنشودة قام فضيلة الشيخ عثمان ليلقي كلمته. بدأ فضيلته خطبته بتلاوة آية “والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ”، وتفسيرها في كلمات وجيزة.
وأضاف قائلا: نجاح المراکز العلمیة لم يزل قائما على ثلاث: الأول أساتذة مجربون ونخب. الثاني: طلبة مستعدون وذوو همم عالية. الثالث: برامج دراسي صحيح.
مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت نموذجا ومثالية في الأمور الثلاث, فالأستاذ هو الشخصية الجامعة والكاملة للرسول الكريم. والقرآن الكريم، الكتاب الجامع المهيمن على سائر الكتب السماوية المنزه من كافة العيوب والنقائص كان المنهج لهذه المدرسة. ومن جانب آخر التلاميذ وطلبة هذه المدرسة لقد شهد الله العليم ببواطن الناس ونواياهم القلبية بصدقهم ووفائهم وجهودهم وهممهم العالية. فمن يجرأ لنفسه أن يعترض على شهادة الله تعالى؟
وأضاف فضيلة الشيخ “محمد عثمان”: أعلن من هذه المنصة أن محبة الصحابة شعبة من الإيمان. وأهل السنة يعتقدون أن الإيمان بغير محبة الصحابة وتمجيدهم إيمان ناقص، ولا ندخل به الجنة. الصحابة هم الذين وجهوا صدورهم ونحورهم نحو السيوف والسهام دفاعا عن الرسول عليه الصلاة والسلام في بدر وأحد وحنين وسائر الغزوات. لما أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم “أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم” ويشهد بحقية إيمان الصحابة، فمن أساء إليهم فلقد أوقع نفسه في الهلاك والشقاء في الدارين.

خطبة فضيلة الشيخ عبد الحميد في “تلنك”:
نهاية جلسة “تلنك” كانت بخطبة الشيخ عبد الحميد حفظه الله.
تلا فضيلته آية «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ» [فصلت:30] وأشار فضيلته إلى أهمية الصبر والاستقامة على المحن والبلايا ومصائب الأنبياء، وخاصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وأضاف قائلا: لما ظهرت آثار الشیب فی وجه رسول الله صلی الله  عليه وسلم، سأل الصحابة عن سببها، فقال: “شيبتني هود وأخواتها”. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم هي آية “فاستقم كما أمرت”.
يعلم من مفهوم الآية وكذلك ما ذكر من المصائب والمحن التي ابتلي بها الأنبياء في سورة هود، كلما تقرب عبد إلى معبوده واعترف بربوبية الرب، عليه أن ينتظر المحن والبلايا من جانب الرب وليستقم ويصبر عليها.
وأشارفضيلته إلى حديث “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل”، قائلا: لا يمكن  لمؤمن صادق أن لا يتعرض للبلايا والمحن. هذه المحن والإبتلائات قد تكون صعبة جدا.
عندما نطالع حياة الأنبياء السابقين كأيوب وإبراهيم عليهما السلام، وكذلك عندما نقرأ حياة الرسول الكريم  والصحابة الكرام، نرى عظمة المشكلات والمصاعب التي صبت عليهم.  لذلك كلما جاء الكلام في القرآن الكريم من مواجهة الحق والباطل، جاء بعده الكلام عن الاستقامة.
وتابع فضيلته قائلا: عبر حياتي التقيت بزعماء وقادة كثيرين، لكني لم أجد أيا منهم يملك مثل جامعية الشيخ عبد العزيز رحمه الله؛ فكان مؤمنا صادقا وعاليا في مستوى الإخلاص والتقوى. في مرض الوفاة ابتلي بأمراض كثيرة، مع ذلك كان يشكر الله تعالى ويهتمّ بقضايا الأمة المسلمة؛ وكان هذا امتحان من جانب الله تعالى كما ورد في الحديث أن العبد كلما يقترب من الله تعالى يزداد امتحانه. علينا أن ننتبه أن هناك صعوبات في العمل على الأحكام الإلهية، لكنها ليست فوق طاقة البشر.
في النهاية كلمته، خاطب فضيلة الشيخ عبد الحميد أهل “تلنك” قائلا: أنا أخاف أن يبتلى قومي نتيجة المعصية  بعذاب الله. فالتزموا بالصلاة، وعليكم بمراعاة أحكام الله، واعلموا أن كل شعب استقام على الدين والشريعة الإسلامية، نصرهم الله وفتح عليهم البركات السماوية والأرضية. الشعب الذي يطيع الله لن يغلب ولن يهزم، لأن من يحافظ أحكام الله، فإنه يحفظه.

اللقاء مع فضيلة الشيخ “عبد الرحمن التشابهاري” حفظه الله:
صباح الأربعاء سافر فضيلة الشيخ عبد الحميد لعياة الشيخ عبد الرحمن الشابهاري، خطيب أهل السنة في ميناء تشابهار، الذي تعرض لعلمية جراحية بسبب مرض في القلب قبل مدة، إلى مدينة تشابهار. وفي الطريق قام فضيلته أيضا بزيارة لقرية “شارك” والتقى بأهلها.
التقى فضيلته بالشيخ التشابهاري وقت الظهر في المدرسة الدينية في تشابهار، ودعا له بالسلامة والبركة في عمره. وقام فضيلته أيضا بإعطاء إجازة الرواية بسنده لطبة دورة الحديث لهذه المدرسة، بعد قراءته لبعض الأحاديث. ثم واصل سفره الدعوي بالحركة نحو مدينة “كنارك”.

جلسة رائعة في ميناء “كنارك”:
لقد خرج جم غفير من سكان مدينة “كنارك” خارج المدينة لاستقبال فضيلة الشيخ عبد الحميد، وقد رحّبوا فضيلة الشيخ بحماس كبير عند مدخل المدينة، ورافقوا فضيلة الشيخ والوفد المرافق له إلى مكان الاجتماع، الذي عقد على الشاطئ في الجامع الجديد لهذه المدينة.
في جلسة “كنارك” تكلم في البداية الشيخ “أحمد كوهركوهي”، وقدم فضيلته مطالب حول آية “فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى”، قائلا: بيّن الله تعالى في هذه الآية الصفتين اللتين تدخلان الإنسان النار. إحداها: الطغيان. يعني كلما تجاوز الإنسان عن الحق وقام بممارسة كل قبيح، فالجحيم يكون مأواه. والصفة الثانية: هي ترجيح الدنيا على الآخرة. فيرجح الإنسان ما يشاهده على ما يوقن به قلبا، يعني يرجح المشاهدة العينية على المشاهدة القلبية. مع أن المشاهدة القلبية التي هي وجود الآخرة، ثبتت بالدلائل القاطعة.
وتابع فضيلته قائلا: الشيطان أول من طغى، لأنه لم يسجد مرة واحدة أمره الله بسجدة، لكن مع الأ سف يوجد الكثير من المسلمين يعصون الله في السجدة خمس مرات يوميا. المسلمون تغيروا في الظاهر والباطن في عصرنا، واختلفوا عن المسلمين في العهد الأول. انحرفت الأمة عن صراطها المستقيم وطغت، وشاعت أنواع من الذنوب في المجتمعات. فعلى الأمة أن ترجع إلى القرآن الكريم، ويتبع النبي والصحابة رضي الله عنهم، كما ورد في تتمة هذه الآية أن الذي اتقى وتجنب المعاصي يدخل الجنة.

خطبة فضيلة الشيخ عبد الحميد في “كنارك”:
أشاد فضيلة الشيخ عبد الحميد في كلمته أمام الشعب المؤمن في “كنارك” بعلماء مدينة “كنارك” وعامة الناس على افتتاح جامع هذه المدينة، قائلا: مسجد خاتم الأنبياء عزة وشرف لأهل “كنارك”. فلو كان للمال قيمة في الدنيا، تلك القيمة لمثل هذه الآثار الخالدة، لأن أغلى الأموال التي تبقى كعمل خالد للإنسان، ذلك الذي ينفق في بناء مسجد.
بدأ فضيلته خطبته بتلاوة آية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ» قائلا: عندما كان المسلمون أتقياء وعاملين على الدين الإسلامي في حياتهم كانوا أعزة، لکن فی العصر الحاضر الذي يتبع فيه المسلمون ثقافة الغرب والولايات المتحدة، وأصبحوا غافلين عن الإسلام، ابتلوا بالأوضاع التي نشهدها.
في القديم كانت الحضارة الإسلامية أسوة ونموذجا للآخرين، وكانت الشعوب كلها متأثرة بها، لأن الإسلام أكمل مشاريع الأخلاق، وكذلك وضعت الأصول الأولية للصحة والسلامة كالسواك والحمام والتطييب وغيرها في الحضارة الإسلامية. لذلك يكمن سر نجاحنا في إتباع القرآن والإسلام.
واستطرد فضيلته قائلا: مع الآيات العديدة التي تؤكد على أهمية إقامة الصلاة، وكذلك نداء “حي على الصلاة” الذي يبلغ إلى آذاننا خمس مرات يوميا، الكارثة العظيمة هي أن كثيرا من الناس لا يحضرون المساجد للصلاة. وعدم حضورهم هذا للصلاة يدل على أن الاستراحة أو العمل عندهم أهم من الصلاة وحكم الله تعالى. لنعلم أن حل مشكلات المجتمع وإصلاحه يكمن في إقامة الصلاة.
وأوصى فضيلته النسوة والبنات في المجتمع إلى مراعاة الحجاب قائلا: للمرأة مكانة عالية في الإسلام، لأن أفضل الأنبياء والأولياء تربوا في حجر نسوة صالحات. على النسوة أن يعلمن جيدا أن بإمكانهن تربية أولاد صالحين في المجتمع إذا كن عالمات تقيات. الرجال يفتخرون إذا كانت النسوة محجبات. وعدم مراعاة الحجاب سبب لخجل الرجال وإنكسارهم. لتعلم النسوة أنها لا توجد زينة ولا لباس أجمل لهن من التقوى.

الطائفية علامة الجهل والشقاوة:
وحذر فضيلة الشيخ عبد الحميد في نهاية خطبته لأهل “كنارك” من الطائفية والتعصات قائلا: الطائفية من جانب الشيعة أو السنة، نوع من الجهالة والفقر الثقافي. إذا قال البعض لا تسمحوا للشيعة ببناء مسجد، أو قال آخر لا تسمحوا لأهل السنة ببناء مسجد، فهذا نوع من الشقاء. الذين يقولون لا تسمحوا لأهل السنة في المدن الكبرى مثل طهران وإصبهان ليقيموا الصلاة، هؤلاء أناس جهلاء بعيدون عن الثقافة. هل مدن طهران وتبريز واصبهان مدن خاصة لطائفة دون غيرهم؟!
وأضاف عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، قائلا: الشيعي الذي لا يتحمل صلاة العيد أو صلاة الجمعة لأهل السنة، وكذلك السنّي الذي لا يتحمل صلاة الشيعة، هو إنسان جاهل بعيد عن الثقافة. لما أننا كإيرانيين شعب له جذور ثقافية عريقة، فعلينا أن نجتنب الطائفية والعصبية الجاهلية.
وتابع فضيلته: أنا شخصيا أقف في وجه من لا يتحمل صلاة الشيعة، وكذلك أوصي المدراء من أهل السنة أن لا يمارسوا التمييز بين الشيعة والسنة. فيجب أن تكون لدينا رحابة الصدر وسعة الأفق.
وأشار خطيب أهل السنة في زاهدان، إلى الحرية المذهبية للأقليات في سائر البلاد الإسلامية قائلا: في تركيا يتمتع الشيعة وأتباع سائر الأديان والمذاهب بحرية كاملة في ممارسة معتقداتهم وشعائهم المذهبية. في رحلتي (قبل سنوات) إلى طاجيكستان، سألت الرئيس الطاجيكي عن أوضاع الأقليات؛ فقال في طاجيكستان تتمتع الأقليات بحرية تامة، وجميع الشعب من الشيعة والسنة واليهود وغيرهم الذين يعيشون في طاجيكستان تنظر إليهم بنظرة متساوية.

غادر فضيلة الشيخ عبد الحميد والوفد المرافق له، مدينة “كنارك”، صباح يوم الخميس 10 من ربيع الثاني، متجهين نحو مدينة “زاهدان”.

705 مشاهدات

تم النشر في: 14 مارس, 2013


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©