أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان، في خطبة الجمعة 21 ربيع الثاني 1448، ضرورة تغيير السياسات العامة للبلاد والانتقال إلى نظام يتجاوز الانتماءات القومية والمذهبية، منتقدًا بشدة سوء إدارة الاقتصاد وتجاهل مطالب الشعب. كما أشار فضيلته إلى ذكرى فاجعة «الجمعة الدامية في زاهدان»، مؤكدًا أن متابعة حقوق أسر الشهداء والجرحى ستستمر حتى الوصول إلى نتيجة.
وتابع فضيلته قائلًا: تتزامن هذه الأيام مع الذكرى الرابعة لحادثة مؤلمة ومفجعة للغاية. فقد حضر المواطنون إلى المصلّى لأداء الصلاة فحسب، ولم يصدر عنهم أي استفزاز يمكن أن يُعدّ تهديدًا أو يبرّر إهانة أحد أو الإساءة إليه، لكن، مع الأسف، وقع ظلمٌ هزّ عرش الله تعالى.
وأعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن عميق تعاطفه مع ذوي الضحايا، وأضاف: استُشهد عدد كبير من المصلين، وأُصيب عدد كبير آخر بجروح، وكانت هذه الفاجعة شديدة الوطأة على الشعب الإيراني، ولا سيما أهالي سيستان وبلوشستان. كما تأثر بها كل إنسان حر سمع بها، وعندما وصلت جثامين الضحايا إلى أسرهم، فالله وحده يعلم حجم ما مرّت به تلك الأسر من ألم ومعاناة. ونحن ندعو لأسر شهداء وجرحى هذه الحادثة، ولجميع شهداء إيران الذين قُتلوا ظلمًا، ونشارك جميع الإيرانيين أحزانهم وآلامهم.
وشدد فضيلته على استمرار المطالبة بالحقوق، فقال: لم يكن الشعب الإيراني يتوقع مثل هذا الأمر من المسؤولين والحكومة. فإذا كان هناك من يملك القدرة ويتحمل المسؤولية، فعليه أن يفكر في جبر هذه الأحزان والآلام. أما نحن، فقد فوّضنا أمرنا كله إلى الله تعالى، لكن هذا لا يعني أننا سنتخلى عن المطالبة بحقوقنا؛ فنحن نرى أن الحق يجب أن يُطالب به، ولن نتنازل عن حقوقنا القانونية والمشروعة والثابتة، ولا عن حقوق الشعب، ولن نتخلى عنها. وستستمر متابعة حقوق أسر الشهداء والجرحى، ولن نتراجع عن المطالبة بتعويض الأضرار التي لحقت بهم.
لا أحد يصغي إلى صوت الشعب
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الضغوط المالية والمعيشية الشديدة التي يعاني منها الشعب، فقال: يمرّ الشعب هذه الأيام بضائقة مالية واقتصادية شديدة، وأصبحت معظم الأسر عاجزة عن تغطية نفقاتها. فالعمال والموظفون، وحتى التجار وأصحاب المحال، يرزحون تحت ضغوط اقتصادية متزايدة، فيما تتغير الأسعار يوميًا، ويتصاعد التضخم، وتتراجع قيمة العملة، الأمر الذي أخلّ بالاستقرار الاقتصادي وأثّر سلبًا في حياة الناس وأوضاع السوق.
وانتقد فضيلته غياب الإدارة السليمة، وأضاف: هذه مشكلات خطيرة، ولا يُعلم متى سيتم اتخاذ التدابير اللازمة لحلها ووضع حد لهذه الأزمات. كان حل هذه المشكلات يحتاج إلى الحكمة وحسن التدبير والإدارة القوية، ولكن للأسف تُرك الاقتصاد لمصيره، من دون ضبط أو سيطرة، وهذا الأمر ضاعف الضغوط على الشعب، ومن جهة أخرى، اتسعت العقوبات بشكل كبير، وأصبحت البلاد تحت حصار اقتصادي. الناس يتألمون ويشعرون بالقلق، ولا أحد يصغي إلى صوتهم، وهم لا يرون مستقبلًا مشرقًا لأنفسهم ولا لأبنائهم ولا لبلادهم، وهذه أوضاع بالغة الصعوبة.
للشعب الحق في المشاركة في تقرير مصير البلاد
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان على الحقوق الأساسية للشعب، قائلا: للشعب الحق في أن يشاركوا في تقرير مصيرهم ومصير بلادهم، وأن يعبروا عن آرائهم. هذه البلاد ملك للشعب الإيراني. كان ينبغي طوال هذه السنوات الطويلة أن يُلتفت إلى كلام الشعب ويُستمع إلى أصواتهم؛ فلو أُصغي إلى مطالب الشعب، لما وصلت الأمور إلى ما هي عليه اليوم.
وأضاف: نسأل الله تعالى أن يفتح لهذه البلاد نافذة أمل واضحة. إن مسؤولية من يتولون المسؤوليات ثقيلة وشاقة جدًا، وعليهم أن يفكروا في مصلحة الشعب والبلاد. نحن في مرحلة كان ينبغي لنا فيها، بدلًا من التفكير في الآخرين، أن نفكر في شعبنا وبلادنا.
الحكومة ذات الطابع القومي والمذهبي لا تستطيع الاستجابة لجميع أبناء الشعب وإدارة البلاد بنجاح
وأشار إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان إلى المعنى الحقيقي للجمهورية، فقال: إن أصحاب هذه البلاد هم جميع أبناء الشعب الإيراني، والبلاد ليست ملكًا لشخص أو جماعة معينة، وكما أن الشعب في بداية الثورة صوّت لصالح نظام “الجمهورية الإسلامية”، فينبغي في المستقبل أيضًا الرجوع إلى الشعب واستطلاع رأيه؛ فمعنى الجمهورية هو أن يكون رأي عامة الشعب وتصويتهم هو المعيار.
وانتقد فضيلته النهج الانتقائي والمذهبي في إدارة البلاد، قائلًا: لو جرت الحكومة وفق الإسلام، وجرى الاهتمام بالحريات والعدالة اللتي كانت مطبقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، فأنا على يقين أنه إذا كان 98 بالمائة من الناس قد صوّتوا آنذاك، لصوّت اليوم 100 بالمائة. ولكن، للأسف، اتُّبعت في إدارة البلاد أساليب قائمة على النزعات الشخصية والتوجهات المذهبية، والتفكير المذهبي لا يمكن أن يكون حلًا. وإن نتيجة التصرفات والممارسات القائمة على الأهواء الشخصية هي استياء الآخرين. ولو تخلّينا عن أهوائنا وميولنا الخاصة، واتبعنا نهجًا شاملًا وجامعًا، لما ظهرت كثير من المشكلات التي نواجهها اليوم.
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلًا: لقد قلنا مرارًا إن الحكومة ذات الطابع القومي والمذهبي لا تصلح لبلد مثل إيران، بما يتميز به من تنوع كبير في القوميات والمذاهب والأذواق ووجهات النظر. فلا بد من إقامة نظام يتجاوز الانتماءات القومية والمذهبية، ويستوعب مختلف المشكلات، ويطبق العدالة على الجميع بصورة متساوية؛ سواء بين الرجال والنساء، أو بين القوميات والمذاهب. ونحن ننصح، من منطلق الحرص على مصلحة البلاد، بضرورة التخلي عن السياسات السابقة التي لم تُجدِ نفعًا، وعدم تكرارها، والتفكير في آلية جديدة تتناسب مع الظروف الراهنة.
لا تنسبوا أخطاء الأشخاص وضعف أدائهم إلى الإسلام
وأعرب فضيلة الشيخ عن أسفه لنفور بعض الناس من الدين، وقال: تسمعون اليوم أن كثيرًا من أبناء الشعب الإيراني أصبحوا ينظرون إلى الإسلام نظرة سلبية، في حين أن هذا الخلل ليس في الإسلام، وإنما يرتبط بأداء الأشخاص وتصرفاتهم. فلا ينبغي أن ننسب أخطاء الأفراد وضعف أدائهم إلى الإسلام، فالإسلام دين العدل والإنصاف. وإذا تأملنا في حياة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، رأينا أن العدل والحرية كانا مطبَّقين عمليًا في ذلك العهد، ولم يكونا مجرد مبادئ نظرية. وأنا أدعو الشعب الإيراني إلى ألا يبتعد عن الله تعالى وعن دينه، وأن يسلك الطريق الصحيح.
الأمن حاجة حيوية لجميع فئات المجتمع
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد في ختام حديثه ضرورة الحفاظ على أمن المحافظة، ولا سيما في المناطق الحدودية، وأضاف: كما أوصيت في الأسبوع الماضي، يجب الاهتمام بأمن المحافظة حتى لا تواجه تحديات ومشكلات. فالأمن أمر حيوي، وفي مصلحة جميع الشعب، وجميع فئات المجتمع وأصحاب المهن بحاجة إليه، وقد كنا نشعر منذ وقت سابق بالقلق من أن يؤدي ازدياد عمليات الاختطاف والسرقة إلى انتشار مختلف مظاهر انعدام الأمن، وأن يتسبب ذلك في مشكلات للمحافظة. ويجب الحفاظ على أمن الجميع حتى لا يشعر أحد بالخطر، ويتمكن أبناء مختلف الفئات من العيش في ظل الأمن، وتحافظ الأخوة على مكانتها.