header

تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبته يوم الجمعة (15 شعبان 1435)، بعد تلاوة آية “يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا”، إلى بيان مطالب حول القيامة وأحداثها، قائلا: ما حذر عنه الأنبياء وذكروه كحادثة عظيمة، وأخبر بوقوعها جميع الكتب والأديان السماوية، هي وقوع القيامة. حادثة القيامة حادثة فريدة لم ير البشر مثلها ولن يرى أيضا بعدها حادثة مثلها. القيامة تطور عظيم ومصيري في حياة البشر.

وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد: نتيجة حادثة القيامة هي أن يبعث مليارات من البشر الذين عاشوا في هذه الدنيا وتوفوا ووضعوا في القبر، بنداء من الله تعالى، ويحشروا من قبورهم إلى ميدان الحساب والكتاب. في تلك الأيام تشخص الأبصار، والآذان صاغية. يقول الله تعالى: “كلهم آتية يوم القيامة فردا”.
وأضاف: الإنسان يتقوى في غالب الأحيان بالأسرة والمجتمع وأهل لسانه وبلده، لكن يوم القيامة يأتي كل إنسان فردا عند الله تعالى، وليس معه عشيرته ولا طائفته ولا جماعته ولا والديه. كل إنسان يحشر بأعماله.
وقال خطيب أهل السنة في بيان أوصاف القرآن الكريم حول القيامة: ذكر القرآن الكريم تعابير مختلفة كـ”الحاقة” و”القارعة” و”الساعة” وغيرها للقيامة، ولكل من هذه التعابير معناها الخاصة. في يوم القيامة يحضر كل إنسان ليؤاخذ على أعماله الصغيرة والكبيرة. يقول القرآن الكريم على لسان لقمان الحكيم “يا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ”. ويقول في موضع آخر: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ”.
إن الله تعالى سينظر يوم القيامة في أعمال العباد ويحاسبهم على شرها وخيرها، وكل إنسان سيرى نتيجة أعماله، ولا يستطيع إنسان أن يخفي شيئا من أعماله. إن الله تعالى جعل الأرض وأعضاء كل إنسان مسئولة لكتابة أعماله، وكذلك يقوم الكرام الكاتبون من الملائكة بكتابة أعمال الإنسان، فلا مفر ولا إنكار في ذلك اليوم.
 وتابع مدير جامعة دار العلوم في زاهدان: إن الله تعالى يحاسب يوم القيامة الإنسان على جيمع أعماله؛ من أين اكتسب المال وفيم أنفقه؟ ويسأله عن شبابه وفيم أفناه وعن علمه وهل عمل عليه أم لا؟ وحساب كل إنسان يبدأ من القبر والبرزخ. وعندما يموت الإنسان يبدأ حسابه؛ “قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”.
واستطرد فضيلته قائلا: يجب علينا جميعا أن نستعد ليوم القيامة. وإن ما ينفعنا في ذلك اليوم ويجلب مرضاة الله تعالى، هو العمل الصالح. ورد في صحيح البخاري “أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَبِيرٍ أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِي، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
وأردف بالقول: يجب أن نعلم أن محبة الصحابة مع الرسول الكريم لم تكن في اللسان، بل كانت محبة قلبية خالصة. والمحبة القلبية تقتضي العمل على تعاليم الله وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم. في عصرنا يدعي الكثير أنهم يحبون الله والرسول والصالحين. إذا كانت هذه المحبة مع العمل على أحكام الشريعة وتعاليمه فهي دعوى مقبولة، لكنها إذا كانت خالية عن العمل، فهي دعوى كاذبة ولا يقبلها الله تعالى ولا رسوله.
واعتبر خطيب أهل السنة تضييع الأمانة من أمارات الساعة، قائلا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ – أُرَاهُ – السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».
الإيمان والأمانة من مادة واحدة؛ الذي يدعي الإيمان ولم يكن أمينا فهو كاذب في دعواه. ورد في الحديث الشريف “لا إيمان لمن لا أمانة له”. للأمانة معنى واسع. إن الله تعالى خلق البشر على فطرة سليمة، ووضع في وجود كل إنسان صفات مثل التدين والصداقة والأمانة. الدين الإسلامي وسيرة الرسول الكريم على مسير الفطرة، لكن توجد تحديات في طريق الإنسان تعدله عن طريق الفطرة.
وأكد فضيلته: الأديان السماوية كلها تؤكد على مراعاة وأهمية الأمانة، وكذلك الدين الإسلامي يؤكد على الصداقة والأمانة وكافة الخيرات والحسنات. مراعاة الأحكام الشرعية أيضا من الأمانة. لقد عبر القرآن الكريم عن الأحكام الإسلامية بالأمانة قائلا: “إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”.
القرآن الكريم وتعاليم الرسول أمانات بأيدينا، لا ينبغي تضييعها.فالأمانة معناها واسع ويضم كافة المجالات. فلو أن شخصا أدلى بصوته في الانتخابات لصالح مرشح غير صالح لأجل المنصب والمال، فقد ضيع الأمانة. الإدلاء بالصوت نوع من الشهادة التي يجب تأديتها بطريقة جيدة. لو ضيع البشرية والمسلمون الأمانة فلا خير فيهم.
وتابع خطيب أهل السنة قائلا: عندما سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم كيف إضاعة الأمانة؟ قال صلى الله عليه وسلم: “إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”. وصية الشريعة لولاة الأمر أن يفوضوا الأمور إلى من كانوا أهلا لها ومن كانت فيهم صلاحية تولي تلك الأمور، لأن الأمور إذا وسدت إلى الضعفاء تنتشر الفوضى في المجتمع. من أهم أسباب وعوامل الثورات في العالم هي تولي الأشخاص غير الأكفاء للأمور. من المؤسف أن الأمانة بالمعنى العام لا تراعى في العالم.
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد على الوفاء بالعهد قائلا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيّن في كثير من خطبه هذا الحديث “لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له”. مع الأسف المسلمون لا يهتمون لعهدهم  وميثاقهم، مع أن العهد والميثاق هامان ضروريان. البلاد والدول التي بينها مواثيق وعهود يجب عليها الالتزام بها. حياة البشرية تبتني على الثقة والوفاء بالعهد، ولو زالت الثقة تختل الحياة. فإذا لم يوف بالعهد ولم تراع الأمانة ولا الديانة، فلا يبقى خير في العالم. نقض العهد والخيانة في الأمانة ذكرت في الأحاديث كصفات للمنافقين.
وأضاف فضيلته في ختام هذا القسم من خطبته: الأديان كلها وخاصة الإسلام يؤكد على لزوم مراعاة الأمانة والوفاء بالعهد. ورد في الحديث “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”؛ يعني المسلم لا يتهم ولا يفتري. ويجب مراعاة كافة هذه الأمور والمصطلحات التي تنسب إلى المسلمين. مع الأسف تحدث وقائع في العالم هي خارجة عن مسير الديانة والأمانة، ولا يوجد لها مبرر في الدين والإيمان.

الشيعة والسنة تعبوا من التطرف والإفراط:
وأشار خطيب أهل السنة في قسم آخر من خطبته إلى التطورات في العالم الإسلامي والأزمة الأمنية في بعض دول المنطقة، مؤكدا على لزوم التصدي “للعلة الأصلية” للتطرف والإفراط، و”الحوار” و”مراعاة الحقوق” كالطريق الوحيد لحل المنازعات.
وتابع فضيلته قائلا: العنف والتطرف يسودان أجواء الكثير من المناطق في العالم الإسلامية. الشيعة والسنة تعبوا من التطرف والعنف. يوميا يسقط الضحايا، وهذه الظاهرة أسفرت عن خسائر كبيرة.
وأشار فضيلته إلى الطريق لحل مشكلات والنزاعات في العالم الإسلامي، قائلا: هذه المنازعات كلها معلولة بعلة؛ لظاهرة “التكفير” و”التطرف” علة. في الخطوة الأولى يجب معرفة العلة ليزول المعلول. الطريق الوحيد للخروج عن هذه النزاعات هو الحوار ومراعاة الحقوق. الأطراف المتنازعة يجب أن تجلس للتحاور والتفاوض وتراعى حقوق الآخر.
وتابع مدير جامعة دار العلوم زاهدان قائلا: العنف وقتل الأشخاص ليس الحل المناسب للنزاعات والاختلافات؛ العنف ينتج المزيد من العنف والحرب.
الأحزاب السياسية والطبقات المختلفة من المكون السوري والعراقي وسائر البلاد الإسلامية يجب أن يجلسوا معا ويحلوا مشكلاتهم بالحوار والتفاوض.
على المسلمين أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم، لأن القوى الدولية تفكر في أمن إسرائيل  ومصالحها، والحروب بين المسلمين تضمن أمن إسرائيل ومصالح القوى الاستكبارية.
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: الدول والبلاد الإسلامية القوية في المنطقة يجب أن تقوم بدورها لحل النزاعات بين المسلمين. ويجب أن توفر مجالات التجمع والتحاور بين الأطراف المتنازعة. نرجو من النظام أن يساعد لإنشاء بيئة مناسبة للحوار والمفاوضات. العلماء والمثقفون في العالم الإسلامي يجب أن يقوموا حسب طاقتهم للحوار والتفاوض، ونحن ندعو أيضا لحل مشكلات الأمة، وإن كانت حاجة وضرورة إلينا لتحل المشاجرات من خلال الحوار والمفاوضات فنحن مستعدون لذلك حسب استطاعتنا.

 الشعب الإيراني في العام الماضي وفي مثل هذا اليوم، فضلوا الاعتدال والحوار:
وأشار خطيب أهل السنة في قسم من خطبة هذه الجمعة إلى الانتخابات الرئاسية في العام الماضي وذكرى انتصار الدكتور حسن روحاني فيها قائلا: الشعب الإيراني أقبلوا إلى صناديق الاقتراع وباغتوا العالم بمشاركتهم الواسعة وانتخابهم الصائب. لم يكن يتصور أحد أن غالبية الشعب سيدلون أصواتهم للدكتور روحاني.
وتابع فضيلته قائلا: الشعب الإيراني اختار مسيره في العام الماضي. صوت الشعب لروحاني كان صوت الاعتدال والحوار. قبل الانتخابات عرض المرشحون جميعا برامجهم؛ لكن أكثرية الشعب اختاروا روحاني كرئيس لهم ليزل التمييز من البلد، ويحقق الأقوام والأحزاب المختلفة حقوقهم القانونية، وينظر إلى الجميع بنظرة  متساوية.
واستطرد فضيلة الشيخ عبد الحميد: مطلبنا من الرئيس ودولة “التدبير والأمل” أن يحلوا المسائل بالحوار والمفاوضات، ويسعوا بجد ليعمل على الوعود التي قطعها الرئيس أثناء حملته الانتخابية. إن مسئولية الرئيس في تحقيق مطالب الطبقات المختلفة من الشعب مسئولية ثقيلة.
وأكد رئيس منظمة اتحاد المدارس الدينية لأهل السنة في سيستان وبلوشستان على دعم الشعب من مواقف الدولة في مفاوضاتها النووية الراهنة قائلا: الشعب الإيراني يدعم الدولة في قضية المفاوضات النووية. النووي حق الشعب الإيراني؛ بلادنا لا يريد الأسلحة النووية. وفقا لفتوى مرشد الثورة فإنتاج الأسلحة النووية محرم شرعا. عندما لا يقصد بلادنا إنتاج السلاح النووي فلماذا نعاقب عليه ونعاني العقوبات؟ فالواجب أن نسعى في الشفافية والدراية لتزول العقوبات.

الهجوم على قافلة الزوار في “تفتان” باكستان كانت حادثة مؤلمة:
وفي القسم الأخير من خطبته، أدان فضيلة الشيخ عبد الحميد، الهجوم على قافة الزوار الشيعة الباكستانيين في مدينة تفتان الحدودية مع إيران واصفا إياها بالمؤلمة.
وأضاف فضيلته قائلا:ما ذنب هؤلاء الزوار ليقتلوا به؟ من أفتى بإراقة دماء هؤلاء؟ على من ظلم هؤلاء وضيعوا حقوقهم ليقتلوا عوضا عنه؟ إنهم كانوا زوارا فحسب، سافروا إلى بلادنا. إذا كان عملهم مشروعا جائزا فلهم ثواب عملهم، وإذا كان عملهم خاطئا فعليهم وزر خطائهم.

1123 مشاهدات

تم النشر في: 18 يونيو, 2014


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©