header

تطرق فضيلةالشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبته يوم الجمعة، بعد تلاوة آية “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”، إلى بركات وخيرات مولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، معتبرا إياه مولدا الإيمان والمكارم الأخلاقية والهدي الرباني.
وأضاف قائلا: ولادة الرسول ليست ولادة إنسان من حيث أنه إنسان، بل ولادة إنسان كامل له إنجازات مرموقة. ولادة إمام المرسلين والمتقين محمد الأمين في الحقيقة ولادة الإيمان والمكارم الأخلاقية، وهي ولادة الدين الإسلامي وولادة النوع البشري، لأن قيمة الإنسان في ظل العمل الصحيح والعقيدة الصحيحة والتعامل الحسن.
لو أدرك الإنسان رسالته ومسئوليته جيدا، يكون وجوده مفيدا ورحمة للناس؛ وعندئذ يكون إنسانا، وفي غير هذه الصورة الإنسان يكون إنسانا في ظاهره وحيوانا وبهيمة في باطنه؛ كما قال الله تعالى: “أولئك كالأنعام بل هم أضل”. لو لم يتحرك الإنسان في الاتجاه الصحيح، واختار الطريقة الخاطئة ولم يحي في وجوده الأخلاق والتعامل الإنساني الصحيح، فهو وإن كان إنسانا في ظاهره، لكنه في الباطن يتبدل إلى حيوان.
وتابع فضيلته قائلا: ولادة الرسول الكريم كانت ولادة النوع البشري، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فتح عينيه عندما انحط المجتمع الإنساني من الناحية الأخلاقية، وقد يئس المصلحون المهتمون بإصلاح البشرية من عودة الإنسان إلى مكارم الأخلاق. لكن مع ولادة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم تبدلت هذ اليأس إلى الأمل. ولد الرسول الكريم وكان العالم في ظلام وشرك ووثنية وانحطاط في الأخلاق والأعمال، وقد انحرفت البشرية عن الصراط المستقيم، وسيطرت عليهم النفس الأمارة وشهوات النفس ووساوس الشيطان، ولم يبق بصيص ضوء من الضياء والهدي للبشر. في مثل هذه الظروف والأحوال ولد الرسول الكريم وقد وصفه الله تعالى هكذا “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين”.
واستطرد خطيب أهل السنة في زاهدان: إن الله تعالى جعل الرسول نور الهداية والعلم. النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان بشرا وكان ابن عبد الله ومن قبيلة قريش، إلا أنه كان نورا من جانب الرب تبارك وتعالى. فولادته كانت ولادة نور العلم والأخلاق والهدي. ولادته لم تكن حادثة مفاجئة، بل كانت إرادة أزلية من جانب الرب تبارك وتعالى ليبعث الرسول الخاتم لهداية البشر وليخرج الإنسان من الظلمات، ويكوّن من الإنسان إنسانا كاملا. فبولادة الرسول الكريم خمدت نيران المجوس، وهدمت الأوثان، وزال الجهل. ولد الرسول الكريم في جزيرة العرب وكانت مركز الجهل والاختلافات وعبادة الأوثان والشرك في ذلك الوقت، لكن مع ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا المرشد العظيم والقائد الكبير، ظهرت بارقة أمل جديد للعالمين لهداية البشر إلى الطريق الصحيح. في الماضي كان الأنبياء يبعثون إلى أقوام ومناطق خاصة، لكن هذه المرة أراد الله تعالى أن يبعث للبشرية كلهم مرشدا واحدا كبيرا ليهدي الإنسان إلى الصراط المستقيم إلى يوم القيامة.
ووصف فضيلة الشيخ عبد الحميد تعاليم الرسول الكريم “تعاليم مثالية” قائلا: جاء الرسول الكريم بتعاليم لا مثيل لها. أتى بكتاب هو خلاصة الكتب السماوية السابقة كلها، وهو مصدق لجميع الكتب السماوية قبلها. لأن محاسن تلك الكتب كلها موجودة في القرآن الكريم.

القرآن الكريم والسنة النبوية من دلائل حقانية الإسلام:
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى أن القرآن الكريم كتاب مصون عن التحريف والتغيير إلى يوم القيامة، قائلا: إن الله تعالى ضمن حفظ القرآن الكريم إلى يوم القيامة، وجعله معجزة للرسول وحجة لحقانية الإسلام. فالقرآن الكريم معجزة الرسول الكريم، وهذه المعجزة موجودة في عصرنا أيضا. فلو طلبنا في عصرنا بدليل على صدق الإسلام وحقانيته، نحن نقدم القرآن الكريم. كما أن القرآن الكريم منذ نزوله تحدى البشر بأن يأتوا بآية مثله أو سورة، كذلك نحن نتحدى النصارى واليهود الذين يشكون في حقية الإسلام بهذا في عصرنا، ونتحداهم أن يأتوا وبتعاون مع كافة أعوانهم من أدباء العرب والمتخصصين في اللغة العربية بسورة واحدة مثل القرآن الكريم. وإن عجزوا نقول لهم “فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة”.
وتابع خطيب أهل السنة: السنة والأحاديث النبوية التي هي نماذج عملية  للقرآن الكريم وحفظها الصحابة وهي اليوم في متناول أيدينا، كذلك حجة قوية على حقانية الدين الإسلامي. نحن نتحدى أتباع الديانات الأخرى أن يقدموا نماذج من حياة قادتهم ورموزهم الذين يقتدون بهم في حياتهم، وتراثا من حياتهم تشمل كافة لحظات حياتهم. وقد حفظت لنا كافة لحظات حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، سواء في البيت أو خارجه، وفي العبادات والمعارك من بدر وأحد وحنين وفتح مكة وتبوك وغيرها من الغزوات. حفظها الصحابة رضي الله عنهم والأزواج المطهرات، وهي اليوم موجودة بين المسلمين.

عادات الرسول ناشئة من الفطرة السليمة الممتازة وهي في مسير الإنسان الكامل:

واعتبر فضيلته عادات الرسول صلى الله عليه وسلم هديه ناشئة من الفطرة السليمة الممتازة البشرية، قائلا: كما أن عبادات الرسول الكريم نقلت إلينا، كذلك نقلت إلينا عاداته، كالملبس والمطعم والاستراحة وغيرها من العادات. كما أن الرسول كان محبوبا عند الله تعالى، كذلك سنن هديه وعاداته أيضا كانت مرضية عند الله تعالى، وكانت محببة عنده. فلو نجعل هذه العادات أسوة لنا في حياتنا ونتبعها، نكون أعزة في الدنيا.
وأضاف فضيلته: إن كان الله لا يكلمنا، فكلامه القرآن عندنا ويكلمنا. القرآن لم ينزل لإزالة الجاهلية التي كانت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، بل جاء القرآن ليكافح الجهل والجاهلية في كل عصر.
وأردف قائلا: القرآن الكريم خالد وهو صالح لكل عصر ومصر. لأجل هذا عندما نتلو القرآن الكريم من سويداء قلوبنا، نشعر بأن القرآن ينزل الساعة. لذلك يجب أن نتعلم القرآن الكريم ونتلوه تلاوة رائعة جميلة, لأن الله تعالى جعل من فرائض الرسول تلاوة القرآن الكريم وقال “يتلو عليهم آياته”. يبدو من هذا أن نجاة البشرية تكمن في تلاوة القرآن الكريم. فعلينا جميعا شيوخا وشبابا، رجالا ونساء أن نتعلم القرآن الكريم ونتلوه دائما.
وتابع فضيلته قائلا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل معه علما للبشرية أضاء نوره كافة أرجاء العالم، وشعر الجميع أنهم محتاجون إليه، فنرى أن كل قائد أهدى لشعبه العلم تقدم في العالم وارتقى. ولما قال الله تعالى في القرآن الكريم “ما فرطنا فيه من شيء” يعني كل شيء يحتاج إليه لهداية البشر يوجد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، فجميع متعطشي العلم والذين تلمذوا على الرسول الكريم كان ذلك بسبب العلم، وفي ظل العلم الذي جاء به استطاعوا أن يتعلموا إدارة دنياهم ويعلموا البشر الطريقة الصحيحة للحكم، ويعلم السياسة الصحيحة الخالية عن التكلفات، وليست السياسة الماكرة للحكام.
فالرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه كان على رأس الحكومة، والذين كانوا معه كانوا يحبونه بحيث يفتدي واحد منهم بماله ونفسه وأولاده للرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الرسول مع كل ذلك لم تمد عينه نحو الدنيا، وكان يقضي يوما جائعا وآخر شبعان شاكرا؛ وكان يرجح حاجات الأمة والمجتمع الإسلامي على حاجاته وأبنائه. لذلك لم يخلف بعد وفاته شيئا من مال الدنيا. الخلفاء الراشدون  أيضا كانوا كذلك. إنهم لما عاينوا سيرة الرسول الكريم من قريب ورأوا فلاحهم ونجاحهم في ذلك، جعلوها أسوة لهم في حياتهم.
وقال خطيب أهل السنة في نهاية القسم الأول من خطبته: هذه الفراض الثلاث للرسول الكريم موجودة حتى اليوم، وكل مرشد وقائد وولي يريد أن يوصل مجتمعه وأعضاء أسرته إلى السعادة في الدارين، عليه أن يهتم بهذه الفرائض في حياته ومجتمعه وأعضاء أسرته.

الوحدة لا تتحقق بالهتافات والأماني:
وفي قسم آخر من خطبته، قال فضيلة الشيخ عبد الحميد إن رقي الأمم وازدهارها يكمنان في وحدتها وانسجامها، معتبرا “تحقيق الوحدة بالهتافات والأماني” من المحال.
وأشار فضيلته إلى أسبوع يُسمى بـ “أسبوع الوحدة” في إيران، قائلا: وحدة المسلمين ضرورة لابد منها. لو لم يتحد المسلمون، لقام أعداء الإسلام بتوفير منافعهم ومصالحهم عن طريق الطائفية التي هي أقل تكلفة من الغزو الثقافي، وإيقاع الفتنة بين المسلمين.
واستطرد فضيلته قائلا: يسعى الأعداء أن يستفيدوا من التنوع القومي والطائفي واختلاف الأحزاب والأفكار، لإيقاع الفتن الطائفية، وتوفير مصالحهم ومنافعهم من خلال الاختلافات الحدودية والجغرافية. لكن الأمم الواعية والمثقفة تتحاشى عن الطائفية. الفرقة والطائفية صب الماء في رحى العدو، وهي علامة التخلف والضعف لبعض الأمم.
وأضاف فضلة الشيخ عبد الحميد: تطور وتقدم الأمم وإزدهار الشعوب يكمن في وحدتهم وانسجامهم. نرى الدول والبلاد التي تقوم ببث الفتن والطائفية في البلاد الأخرى، هي تلتزم الوحدة والانسجام في داخل حدودها، كالحلف الأطلسي الذي وحد الكثير من دول العالم في مجالي الدفاع والأمن، وكذلك الإتحاد الأروبي الذي وحد الدول الأروبية، وكذلك تحالفات أخرى شكلت في مجال منافع البلاد. فعلى المسلمين أيضا أن يتوحدوا لأجل قوتهم وعزتهم.
وتابع خطيب أهل السنة قائلا: الوحدة لا تتحقق بالهتافات والأماني، وكذلك الهتافات والمواعظ وخطب الوحدة لا تنفع الأمة شيئا إذا كانت فاقدة عن رصيد عملي. الوحدة تتحقق إذا كنا جنبا إلى جنب في العمل، وتكون نظرتنا جميعا إلى الآخرين نظرة إنصاف وعدل.
واستطرد رئيس جامعة دار العلوم بمدينة زاهدان قائلا: مطلب أهل السنة في إيران من قادة ومسؤولي النظام ومراجع الشيعة والمؤسسات الحكومية أن تكون نظرتهم إلى كافة المواطنين وخاصة أهل السنة نظرة متساوية، ولا يكون هناك تمييز بين الشيعة والسنة. ينبغي أن لا يكون تمييز بين الشيعة والسنة في تفويض المناصب والوظائف.
وأضاف عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: كلنا مع المذهب الذي ننتمي إليه والرؤية التي نمتلكها داخلون في نطاق الإسلام الواسع، ونريد عزة الإسلام وعزة بلادنا.
وتابع: قوة النظام وبقاء الثورة في العدل والإنصاف. كما قال ضيفنا الشيخ التسخيري، كل نظام سواء كان نظاما دينيا أو غيره، لن يستمر بقاءه إلا أن ينفذ العدل بطريقة صحيحة، ويمسع كلام الناس.
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد في نهاية خطبته إلى سياسة التمييز الطائفي التي يعاني منها أهل السنة في إيران، قائلا: نداء أهل السنة الذين يريدون الوحدة الوطنية والأمن القومي كمواطنين في هذه البلاد، أن تتغير الرؤية بالنسبة لهم، ويتمتعوا من حقوق متساوية مع الآخرين، وتحفظ الحريات المصرحة بها في الدستور. فإذا وصل الشيعة والسنة إلى وحدة حقيقية في إيران، نستطيع أن نكون أسوة ونماذج للشعوب المسلمة الأخرى، وهذه الوحدة إنما تتحقق من خلال تنفيذ العدل والرؤية المتساوية.

1497 مشاهدات

تم النشر في: 27 يناير, 2013


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©