header

بدأ خطيب أهل السنة في مدينة زاهدان خطبة هذه الجمعة بتلاوة آية “مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ*مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ”، مشيرا إلى أن القرآن الكريم بيّن بأسلوب رائع فناء النعم المادية، موصيا أصحاب العقل والتدبّر بالتفكر في آيات القرآن.
وأشار فضيلته إلى أن القرآن الكريم كلام الرب تبارك وتعالى ومعجزة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، قائلا: كما أن القرآن معجزة الرب تبارك وتعالى، كذلك تعابيره معجزات من جانب الله تعالى. القرآن الكريم بيّن المطالب والمفاهيم في شكل تعابير رائعة وجيدة تحير أولي الألباب وأصحاب العقول.
وأضاف فضيلته في شرح الآيات المذكورة: لقد بيّن الله تعالى في الآية في تعبير جميل رائع “ما عندكم ينفد”، يعني يزول وينتهي، “وما عند الله باق” أي خالد لا يفنى أبدا.
بيّن الله عز وجل بشكل عام ودون أن يستثني كافة الأشياء التي نملكها فانية زائلة، وهي تشمل أموالنا وذواتنا وثرواتنا ومناصبنا وصحتنا وعافيتنا والفراغ وكافة النعم الأخرى. عندما نفقد أعزتنا ونشاهد كيف تبقى أموالهم بعد موتهم، ننتبه ماذا أرادت هذه الآية. من المؤسف أننا نشاهد المقابر ولا نعتبر منها ولا نتدبر.
وأشار فضيلة الشيخ إلى أن الوقت من أغلى الثروات لدى البشر، قائلا: إن الله تعالى منحنا نعمة الوقت التي بإمكاننا أن نجلب مرضاة الرب من خلالها، ونخلد أوقات عمرنا الفانية بالعبادة والأعمال الصالحة. كذلك نحن نستطيع أن ندخر أموالنا وثرواتنا التي هي فانية ونجعلها خالدة للآخرة. الذين ينفقون أموالهم في بناء المساجد والمدارس والمؤسسات الدينية ويتبرعون بها على الفقراء والسجناء، إنهم في الحقيقة يخلدون هذه الثروة. يقول الله تعالى: “وما عند الله باق”.
واستطرد فضيلته مشيرا إلى أنه يجب أن يعرف  الإنسان حقيقة الدنيا والآخرة: عندما نبحث في القرآن الكريم حقيقة الدنيا، نرى أن الله عز وجل يبين حقيقتها هكذا “وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون”. الحياة الدنيا مكان موقت للعيش. كل واحد منا في هذه الدنيا كعابر سبيل. نظرا إلى أن الإنسان يجب أن يقبل الحقائق، عليه أن يقبل هذه الحقيقة بأن لا يرجح الدنيا على الآخرة. بل يجب ترجيه الحياة الآخرة على المنافع العاجلة في الدنيا.
وأردف خطيب أهل السنة: الذين أدركوا حقيقة الدنيا والآخرة واتبعوا طريق الله عز وجل، لم يلوثوا أنفسهم بالمعاصي، واستفادوا من منافع الدنيا وسعوا للآخرة. الأنبياء والصالحون رأوا الحياة الدنيا بعين الحقيقة، فلم يغتروا بها، وعملوا الصالحات وعاشوا في طهارة وعفة. لكن مع الأسف نحن لم ندرك حقيقة الحياة، وابتلينا بالغفلة، ونسينا أن هذه المساكن والقصور العالية في الدنيا تفنى، ويأتي يوم ننام في القبر من غير سرير النوم والفراش، ثم نحاسب عند الله تعالى. فعلينا أن لا نضيع إيماننا لأجل العشيرة والأصدقاء وغيرهم ونغفل الجنة والنار.
وتابع فضيلته قائلا: كل إنسان في الدنيا أمامه طريقان، والإنسان مخير في اختياره الطريق. فطوبى لمن يختار طريق الجنة بوعيه وصحوته، وفكر في آخرته بينما كان الناس يفكرون في منافعهم العاجلة في الدنيا، وكان محياه ومماته لله تعالى، وحصل على مرضاة الله تعالى. وويل لمن نسي الرب والقبر والآخرة، وأخلد إلى حياة الدنيا، وكان وراء شهوات النفس ولذات الدنيا. هذا الفريق من الناس عندما يموتون ويبصرون الحقيقة في الآخرة، عندئذ يعرفون حقيقة ما كانوا فيها من الخطأ والضلال، ويتحسرون على ما فاتهم، ويقول الله تعالى عنهم: “فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين”. ولا تقبل عندئذ توبتهم. فعلى الإنسان أن يعيش في الدنيا من غير غفلة وليستعد للآخرة.

النزاعات والاشتباكات تشوه سمعة المجتمع:
في القسم الآخر من خطبة الجمعة أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد، إلى المصالحة التي تمت بين قبيلتي “شهنوازي” و”غمشادزهي” (من كبار القبائل والعشائر البلوشية في بلوشستان)، قائلا: الحمد لله لقد تمت المصالحة بين هاتين العشيرتين اللتين كانتا في اختلاف ونزاع منذ مدة طويلة، وهذا الأمر مثير للسرور والفرح.
وتابع فضيلته: الحروب القبلية والنزاعات بين العشائر، ظاهرة سيئة وقبيحة. وفي المقابل المصالحة والسلام ظاهرة مباركة وطيبة. عندما تتم المصالحة والسلام، تنزل رحمات الله تعالى. لكن عندما يختلف الناس تقطع عنهم رحمات الله ويتضرر الإنسان. النزاعات تفتح أبواب الفتنة والفوضى، وتشوه سمعة المجتمع وتضره، والمصالحة والسلام تأتي بالخير والبركة وحسن السمعة للمنطقة.
ووصف فضيلة الشيخ عبد الحميد الذين هم وراء المصالحة والسلام بـ “العقلاء وأهل الصحوة” قائلا: الذين يسعون في وأد الفتن والاختلافات، هم أشخاص يقظون وعقلاء، ولكن الذين يفقدهم التفكر والتدبر يبتغون الفتنة والنزاعات.
وتطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى بيان طرق للتصدي للنزاعات العشائرية في المجتمع قائلا: كنت حاضرا في جلسة المصالحة بين هاتين العشيرتين، وأشرت في تلك الجلسة إلى عاملين من عوامل النزاع والاشتباكات في المجتمع، وإلى طرق التصدي لهذه النزاعات. الطريق الأول لإزالة النزاعات في المجتمع هي معرفة الرب ومخافته. فالشخص الذي يلتزم بأحكام الدين ولا يغفل الآخرة، لا يهتم أبدا إلى إراقة دماء المسلمين، لأنه يخاف من المحاسبة عند الله يوم القيامة. الديانة والهداية تمنع من ارتكاب القتل وإراقة دماء الأبرياء.
وتابع فضيلته قائلا: معظم النزاعات نتيجة الأمية والجهالة؛ فلو أن شبابنا أقبلوا إلى العلم لا ينجرون إلى النزاعات وقتل الناس، لأنهم بالعلم يطلعون على النتائج السلبية للنزاعات.
على العلماء ورؤساء القبائل والمثقفين أن يسعوا في إشاعة التدين، وكذلك في مجال تعليم الأبناء بين الطبقات المختلفة من الناس في المجتمع.
واستطرد خطيب أهل السنة قائلا: واقتراحي الثالث في هذا المجال أن يجري العمل على الميثاق الذي وقّع عليه رؤساء العشائر هنا في الجامع المكي بمدينة زاهدان قبل عشرين سنة تقريبا، والذي نص بتفويض القاتل إلى المحكمة ليكون القصاص بشأنه تسلية لأولياء المقتول. لأن أحد عوامل تشديد النزاعات هو دعم العشيرة من القاتل وعدم الاقتصاص منه.
وأضاف خطيب أهل السنة: على القضاء أيضا أن يهتم بمطاردة القتلة. لو لم يلق القبض على القاتل والمجرم ولا يعاقب، تظهر مشكلات، ويبادر الناس من عند أنفسهم بالقصاص، وربما يُقتل أشخاص أبرياء. فلو بادر القضاء إلى اعتقال القاتل والمجرم، وعمل رؤساء العشائر بعهودهم، نرجو أن لا نشهد نزاعات عشائرية في المنطقة.
ورسالتي لكل من له كلمة مسموعة أن يتصدوا للنزاعات لأجل الله تعالى، ليوفر أمن المحافظة ولا يقتل الأبرياء.

قتل المواطن بسبب حمله مقدارا من الوقود، مؤلم جدا:
وأشار خطيب أهل السنة إلى قضية إطلاق الشرطة النار على مواطن يحمل مقدارا من الوقود في سيارته، قائلا: في الأسبوع الماضي يهرب شخص كان يحمل معه مقدارا من الوقود من الشرطة التي كانت تطارده، فتطلق الشرطة النار عليه وترديه قتيلا. أن يقتل إنسان لأجل  شيء دنيء، هذا الأمر مؤلم جدا.
واستطرد فضيلة الشيخ عبد الحميد: نظرا إلى أن بلادنا تواجه أزمة اقتصادية شديدة، لا ينبغي التضييق على الأشخاص الذين ليست لهم مشاغل أخرى، وإنما يكتسبون الرزق من خلال بيع مقادير من الوقود، بحيث يطلق النار عليهم.
وأضاف فضيلته: نحن آسفون جدا على أن المواطن لا كرامة ولا  قيمة له في بلادنا، ولكن في البلاد الأخرى للمواطن قيمة وكرامة. فالكيان الصهيوني مع كافة جرائمه وهمجيته، يحرر أكثر من ألف معتقل فلسطيني لتحرير مواطن إسرائيلي واحد. لماذا نحن لا نعرف كرامة لمواطنينا ونأخذ أرواح المواطنين لأجل وقود يحملونه ليبيعوه ويحصلوا على لقمة عيش لأسرهم؟! مع الأسف هذه الحوادث كثيرة في الطرقات في محافظتنا.
وتابع رئيس جامعة دار العلوم قائلا: نحن مخالفون للتهريب ولا ندعو إليه، لكن نظرا إلى المشكلات الاقتصادية، والأوضاع المعيشية السيئة في بلادنا، ينبغي أن توضع الطرق المناسبة للكسب أمام الناس أولا، ثم  يجري تسامح وإغماض مع الذين يحملون بضائع وسلع مشروعة. ووصيتي المشفقة لقوات الشرطة أن يحذروا في القضية، ويمنعوا جنودهم من إطلاق النار على مثل هؤلاء.

1506 مشاهدات

تم النشر في: 13 يناير, 2013


جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبدالحميد إسماعيل زهي Copyright ©